وقوله : وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ : تنبيه على الشكر كذلك.
قوله : فَيَقُولُ رَبِّ لولا أخرتني .
أي : هلاَّ أخَّرتَنِي.
وقيل :«لا » صلة، فيكونُ الكلامُ بمعنى التَّمنِّي.
أي لو أخرتني إلى أجل قريب فنسأل الرجعة إلى الدنيا لنعمل صالحاً.
روى الترمذي عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال :«مَنْ كَانَ لَهُ مالٌ يُبلِّغهُ حَجَّ بَيْتِ ربِّهِ أو يَجبُ عليهِ فِيهِ زكاةٌ فَلمْ يَفْعَلْ، سَألَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ الموْتِ، فقال رجُلٌ : يا ابْنَ عبَّاسٍ، اتَّق اللَّهِ، إنَّما سأل الرَّجعة الكُفَّارُ، فقال : سأتلُو عليْكَ بذلك قرآناً يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ الله إلى قوله والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ قال : فما يوجبُ الزَّكاة ؟ قال : إذا بلغ المال مائتين فصاعداً، قال : فما يوجبُ الحجَّ ؟ قال : الزادُ والراحلةُ »١.
قال القرطبيُّ : ذكره الحليمي في كتاب «منهاج الدين » مرفوعاً، فقال : وقال ابن عبَّاس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«مَنْ كَانَ عِنْدهُ مالٌ يُبلِّغهُ الحَجَّ » الحديث٢.
قال ابنُ العربيِّ :«أخذ ابنُ عباس بعموم الآية في إنفاق الواجب خاصة دون النفلِ، فأما تفسيره بالزَّكاةِ فصحيح كلُّه عموماً وتقديراً بالمائتين.
وأما القولُ بالحج ففيه إشكالٌ ؛ لأننا إن قلنا : الحج على التراخي ففي المعصية بالموتِ قبل الحج خلافٌ بين العلماءِ، فلا تخرج الآية عليه.
وإن قلنا : الحج على الفور فالعمومُ في الآية صحيحٌ لأنَّ من وجب عليه الحج فلم يؤده لقي من الله ما يودُّ لو أنه رجع ليأتي بما ترك من العبادات.
وأما تقدير الأمر بالزاد والراحلة ففي ذلك خلاف مشهور بين العلماء، وليس لكلام ابن عباس فيه مدخل، لأجل أن الرجعة والوعيد لا يدخل في المسائل المجتهد فيها ولا المختلف عليها، وإنما تدخلُ في المتفقِ عليه.
والصحيح تناوله للواجب من الإنفاق بالإجماع أو بنصّ القرآن ؛ لأن ما عدا ذلك لا يتحقق فيه الوعيدُ ".
قوله : فَأَصَّدَّقَ .
نصب على جواب [ التمني ]٣ في قوله : لولا أخرتني .
وقرأ أبي وعبد الله وابن جبير٤ :" فأتَصَدَّقَ "، وهي أصل قراءة العامة ولكن أدغمت الفاء في الصاد.
قوله :" وأكُنْ ".
قرأ أبو عمرو :" وأكونَ " ٥ بنصب الفعل عطفاً على " فأصَّدَّقَ ".
والباقون :" وأكُنْ " مجزوماً، وحذفت الواوُ لالتقاءِ الساكنين.
واختلف عباراتُ الناس في ذلك٦.
فقال الزمخشري٧ :" عطفاً على محل «فأصَّدَّقَ » كأنَّه قيل : إنْ أخَّرتني أصَّدقْ وأكُنْ ".
وقال ابن عطية٨ : عطفاً على الموضع : لأنَّ التقدير : إن أخرتني أصَدقْ وأكُنْ، وهذا مذهب أبي علي الفارسي ".
وقال القرطبي٩ :" عطفٌ على موضع الفاء، لأن قوله :«فأصدق » لو لم تكن الفاء لكان مجزوماً، أي «أصَّدَّقْ »، ومثله : مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ [ الأعراف : ١٨٦ ] فيمن جزم.
فأما ما حكاه سيبويه١٠ عن الخليل فهو غيرُ هذا، وهو أنه جزمٌ على توهم الشرط الذي يدل عليه التمني، ولا موضع له هنا لأنَّ الشرط ليس بظاهر، وإنما يعطف على الموضع بحيث يظهرُ الشرطُ، كقوله : مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ فمن جزم عطفه على موضع فلا هَادِي لَه ؛ لأنه لو وقع موقعه فعل لانجزم " انتهى.
وهذا الذي نقله سيبويه هو المشهور عند النحويين.
ونظَّر ذلك سيبويه بقول زهير رحم الله المؤمنين :[ الطويل ]
٤٧٧٧ - بَدَا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضَى***ولا سَابِقٍ شَيْئاً إذَا كَانَ جَائِيَا١١
فخفض " ولا سابقٍ " عطفاً على " مدركٍ " الذي هو خبرُ " ليس " على توهم زيادة الباء فيه قد كثر جرّ خبرها بالباء المزيدةِ، وهو عكسُ الآية الكريمة ؛ لأنه في الآيةِ جزم على توهُّم سقوطِ الفاءِ، وهنا خفض على توهُّم وجود الباء، ولكن الجامع توهم ما يقتضي جواز ذلك.
قال شهاب الدين١٢ :" ولكني لا أحب هذا اللفظ مستعملاً في القرآن الكريم، فلا يقال : جزم على التوهم لقبحه لفظاً ".
وقال أبو عبيد : رأيت في مصحف عثمان " أكن " بغير واو.
وقد فرق أبو حيان بين العطف على الموضع والعطف على التوهم فقال١٣ :" الفرقُ بينهما أنَّ العامل في العطف على الموضع موجودٌ، وأثره مفقودٌ، والعامل في العطفِ على التوهم مفقود، وأثره موجود ". انتهى.
قال شهاب الدين١٤ :" مثال الأول «هذا ضارب زيد وعمراً » فهذا من العطف على الموضع فالعامل وهو «ضارب » موجود، وأثره وهو النصب مفقود، ومثال الثاني ما نحن فيه، فإن العامل للجزم مفقود وأثره موجود، وأصرحُ منه بيتُ زهيرٍ، فإن الباء مفقودةٌ وأثرُها موجود، ولكن أثرها إنما ظهر في المعطوفِ لا في المعطوفِ عليه، وكذلك في الآية الكريمة، ومن ذلك أيضاً بيت امرئ القيس :[ الطويل ]
٤٧٧٨ - فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ***صَفِيفِ شِواءٍ أو قَدِيدٍ مُعَجَّلِ١٥
فإنهم جعلوه من العطف على التوهُّم، وذلك أنه توهّم أنه أضاف «منضج » إلى «صفيف » وهو لو أضافه إليه فجره فعطف «قديدٍ » على «ضعيفٍ » بالجر توهماً لجرّه بالإضافة ".
وقرأ عبيد١٦ بن عمير :" وأكُونُ " برفع الفعل على الاستئناف، أي :" وأنَا أكُونُ "، وهذا عدةٌ منه بالصلاح.
فصل فيما تدل عليه الآية
قال ابن عباس رضي الله عنهما : هذه الآية تدل على أن القوم لم يكونوا من أهل التوحيد ؛ لأنه لا يتمنى الرجوع إلى الدنيا أو التأخير فيها أحد له عند اللَّه خير في الآخرة١٧.
قال القرطبي١٨ :" إلا الشَّهيد فإنه يتمنّى الرجوع حتى يقتل لما يرى من الكرامة ".
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٤٠) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه..
٢ ينظر الحديث السابق..
٣ في أ: النهي..
٤ ينظر: الكشاف ٤/٥٤٤، والمحرر الوجيز ٥/٣١٦، والبحر المحيط ٨/٢٧٠..
٥ ينظر: السبعة ٦٣٧، والحجة ٦/٢٩٣، وإعراب القراءات ٢/٣٦٩، وحجة القراءات ٧١٠، والعنوان ١٩١، وشرح الطيبة ٦/٥٦، وشرح شعلة ٦٠٣، وإتحاف ٢/٥٤٠..
٦ ينظر: الدر المصون ٦/٣٢٣..
٧ ينظر: الكشاف ٤/٥٤٤..
٨ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٣١٥..
٩ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٨/٨٦..
١٠ ينظر: الكتاب ١/٤٤٩..
١١ تقدم..
١٢ الدر المصون ٦/٣٢٣..
١٣ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٧١..
١٤ الدر المصون ٦/٣٢٣..
١٥ تقدم..
١٦ ينظر: الكشاف ٤/٥٤٤، والبحر المحيط ٨/٢٧١، والدر المصون ٦/٣٢٤..
١٧ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/٨٦)..
١٨ الجامع لأحكام القرآن ١٨/٨٦..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود