وأَنفِقوا مِن مَّا رزقناكم أي : بعض ما رزقناكم، تفضُّلاً، من غير أن يكون حصوله من جهتكم ادخاراً للآخرة، وهو عام في المفروض والمندوب، مِن قبل أن يأتي أحدَكُم الموتُ بأن يُشاهد دلائله، ويُعاين أمارته ومخايله. وتقديم المفعول على الفاعل للاهتمام بما قدّم، والتشويق لِما أخّر، فيقولَ حين تَيَقُنِه بحلوله : لولا أخَّرتني ؛ أمهلتني إلى أجلٍ قريب ؛ أمدٍ قصيرٍ، فأصَّدَّقَ بالنصب، جواب التمني، وأكن من الصالحين بالجزم، عطفاً على محل فأصَّدق أو : على توهُّم إسقاط الفاء، كأنه قيل : إن أخرتني أصَّدَّق وأكن، وقرأ أبو عمرو بالنصب عطفاً على اللفظ.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد نهى الله تعالى عن الاشتغال عن ذكره بالأموال والأولاد، ويُقاس عليه سائر القواطع، فلا عذر للعبد في تركه في وقت من الأوقات، فما مِن وقت من الأوقات إلاَّ وله حق جديد، وأمر أكيد، لا يُقضى في غيره، فحقوق الأوقات لا تقضى، بخلاف الحقوق التي لها أوقات محدودة، فإنها تُقضى في غيرها، ولمّا كان الذِكر يُطهِّر القلب، ويُخرج ما فيه من حب الدنيا وغيرها، أمر بالإنفاق بعد الأمر به ؛ ليسهل الإنفاقَ على العبد. قال بعض الحكماء في مدح الذكر والترغيب فيه : الذكر منشور الولاية، ولا بُد منه في البداية والنهاية، وهو يُثمر أحوالاً شريفة، ومقامات عالية منيفة، وعلوماً لطيفة، ويحيي عوالم طالما كانت قَبْلُ مواتاً، ويُلبِسُ النفسَ وجنودَها ذلة وسُبَاتاً، ونظيره إذا وصل للقلب : كدخول الماء في الأسراب، فإنه يُخرج ما فيها من الحشرات والدواب، فكذلك الذكر، إذا صدم القلب، ودخل سُويداءه، فإنه يُخلصه مِن مساكنة صلصال النفس، ويُزيل عن ناظره الغشاوة واللبس، ولهذا كان أفضل الأعمال، وأزكى الأحوال، وفُضّل على جهاد السيف والقتال. هـ. وأنفِقوا مما رزقناكم من العلوم والمعارف، لمَن يطلبها وكان أهلاً لها، بعد إنفاق ما عنده من الحس، وإلاَّ فلا خير في فقير شحيح، فإنه مِن أقبح كل قبيح. فانتهزوا الفرصة، وبادِروا نفوذ الأجل، فالترقي إنما هو في هذه الدار. قال القشيري : لا تَغْتَرُّوا بسلامةِ أوقاتِكم، وتَرَقَّبوا بغَتَات آجالكم، وتأهَّبوا لِما بين أيديكم من الرحيل، ولا تعرجوا في أوطان التسويف. هـ. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلّم.