المنافق: هو من يُظهر الإيمان ويبطن الكفر. جنة: بضم الجيم، وقاية. طبع: ختم عليها. لا يفقهون: لا يعلمون. تعجبك أجسامهم: لصباحتها وتناسُب أعضائها. تسمع لقولهم: لفصاحتهم وحسن حديثهم. خشُب مسندة: جمع خشبة، يعني انهم أجسام فارغة لا حياة ليها. يحسبون كل صيحة عليهم: فهم لشعورهم بالذنب وبحقيقة حالهم، يظنون أن كل صوت او حركة عليهم. قاتلَهم الله: لعنهم الله وطردهم من رحمته.
يؤفكون: يصرفون عن الحق. لوَّوا رؤوسهم: أمالوها استهزاء. يصدّون: يعرِضون.
لقد وصف الله تعإلى المنافقين هنا بأوصاف قبيحة في منتهى الشناعة، فهم كذّابون يقولون غير ما يعتقدون، قد تستّروا بأيمانهم، يحلِفون كذبا بالله سَتراً لنفاقهم وحقناً لدمائهم، وهم يصدّون الناس عن الاسلام، ويأمرونهم أن لا ينفقوا على المسلمين. وانهم جُبناء، فرغم ضخامة أجسامهم، وفصاحة ألسنتهم يظلون في خوف دائم، يظنّون كل صيحة عليهم.
ولذلك كشف أمرهم هنا بوضوح فقال تعالى:
إِذَا جَآءَكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ.
فالله تعالى يخبر الرسول الكريم أن المنافقين عندما يأتون إليه ويحلفون عنده بانهم مؤمنون به - يكونون غير صادقين، والله يعلم ان سيدنا محمداً رسول الله، ولذلك أكد بيان كذبهم بقوله:
والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ
كذبوا فيما أخبَروا به، لأنهم لا يعتقدون ما يقولون، يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: ١٦٧].
ثم بين انهم يحلفون كذباً بأنهم مؤمنون حتى يصدّقهم الرسول الكريم، ومن يغتَرُّ بهم من المؤمنين.
اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
جعلوا أيمانهم الكاذبة وقايةً وستراً لهم من افتضاح أمرهم، فصدوا الناس عن سبيل الله. فما أقبح ما هم عليه من الكفر والكذب!!
ثم بين الله تعالى انهم آمنوا بالإسلام قولاً ظاهرا، ولكنهم كفروا به عملاً، فطبع الله على قلوبهم فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ.
ثم وصف هيئاتهم الظاهرة والباطنة، فأجسامُهم في الظاهر حسنة تُعجِب الناس، ومنطقهم حسن، ولكلامهم حلاوة، أما في الباطن فهم خُشُبٌ لا فائدة فيها، أشباح بلا ارواح، فسدت بواطنهم، وحسنت ظواهرهم.
ثم وصفهم بالجبن والذلة إذا سمعوا اي صوت او حركة ظنّوا انهم المقصودون، وان أمرهم قد افتُضِح: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ وأنهم هالكون لا محالة. هُمُ العدو فاحذرهم أيها الرسول ولا تأمنهم أبدا.
ثم زاد في ذمهم وتوبيخهم فقال:
قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ لعنهم الله وطردَهم من رحمته كيف يُصرَفون عن الحق الى ما هم عليه من النفاق.
ولما افتضح امرهم ونزل القرآن بصفتهم - جاءهم اقرباؤهم، وقالوا لهم: افتضحتم بالنفاق، فتوبوا الى الله واذهبوا الى الرسول واطلبوا ان يستغفر لكم، فأمالوا رؤوسهم استهزاءً واستكبارا، ولم يقبلوا ذلك.
ثم بين الله ان هؤلاء المنافقين لا فائدة منهم، ولن ينفع معهم أيُّ شيء بقوله تعالى: سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين.
فالاستغفار وعدمه سِيّان، لا يُجديهم نفعا، لأن الله كَتَبَ عليهم الشقاء، بما كسبتْ أيديهم.
قراءات:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: خشب بإسكان الشين. والباقون: خشب بضم الخاء والشين. وقرأ نافع: لووا رؤوسهم بفتح الواو الأولى بلا تشديد، والباقون: لووا رؤوسهم بتشديد الواو الأولى المفتوحة.
تيسير التفسير
إبراهيم القطان