ولما كان الغبن من جملة المصائب، ذكر أنها بقضائه وقدره، فقال :
مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ .
يقول الحق جلّ جلاله : ما أصاب من مُصيبةٍ دنيوية أو أخروية إِلاّ بإذن الله أي : بتقديره وإرادته، كأنها بذاتها متوجهة إلى الإنسان، متوقفة على إذنه تعالى، ومَن يُؤمن بالله أي : يُصدِّق بأنّ المقادير كلها بيد الله يَهْدِ قلبه للرضا والتسليم، أو الاسترجاع، فيقول : إنّا لله وإنّا إليه راجعون، أو : يَهْدِ قلبه حتى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه، وعن مجاهد : إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن ظُلم غفر. ونقل ابن عطية عن المفسرين : أنّ المراد : مَن اعترف بالقدر هانت عليه المصيبة، وسلَّم لأمر الله تعالى. واللهُ بكل شيءٍ عليمٌ فيعلم ما في القلوب من برد الرضا أو حرارة التدبير.
قال في الحاشية الفاسية : والظاهر والمتبادر : أنّ قوله : ما أصاب... الآية جمعٌ على الله، ورَدٌّ من الأسباب، والوقوف معها، إلى الوقوف مع قضائه، وإنما يجد ذلك المؤمن بالله، وأمّا غيره فصَدْره ضَيق حرج عن قبول المعرفة، ولذلك قال : ومَن يؤمن بالله يَهْد قلبه لمعرفته والاطمئنان به، أي : ومَن لم يؤمن يَصْلى نار القطيعة والبُعد، وحرارة التدبير، ففيه ترغيب في الإيمان وتحذير من الكفر، وأنّ الإيمان تعقبه جنة الرضا والتسليم، عاجلاً، والكفر بضد ذلك، فبَعد أن ذكر الجزاء في الآخرة أشار إلى الجزاء المعجّل من اليقين والرضا للمؤمن، وضده للكافر.
والله أعلم. هـ.
وأطيعوا اللهَ في الفرائض، والرسول في السنن، وقد بقي بعد الرسول خلفاؤه، يسنون السننَ الخاصة، فمَن أعرض عنهم، يقال له : فإن توليتم... الآية، وتقدّم في آل عمران١ وغيرها الكلام على التوكُّل. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي