تمهيد :
هذه آيات تغرس اليقين في القلب، وتؤدي بالمؤمن إلى اليقين الجازم بالقضاء والقدر، خيره وشرّه، حلوه ومره، وقد يتعرض المؤمن للأذى أو الفقر، أو المرض أو الآلام أو المصائب، والمؤمن يلقى ذلك بالصبر واليقين، بأن بيد الله كل شيء، فيصبر على البأساء، ويشكر على النعماء، ويرضى بأسباب القضاء.
وفي الآيات دعوة إلى طاعة الله، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن أعرضتم عن الإيمان أيها المشركون، فضرر ذلك واقع عليكم وحدكم، وليس على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا البلاغ إليكم، وليس من واجباته هدايتكم.
والله وحده هو الإله المعبود بحق، وعلى الله فليتوكل المؤمنون، فهم يؤدّون ما يجب عليهم، ثم يعتمدون على الله وحده في نجاح سعيهم، والتوكل غير التواكل.
سبب النزول :
قيل : سبب نزولها أن الكفار قالوا : لو كان ما عليه المسلمون حقا لصانهم الله عن المصائب في الدنيا، فبيّن الله تعالى أن ما أصاب من مصيبة في نفس أو مال، أو قول أو فعل، يقتضي همّا أو يوجب عقابا عاجلا أو آجلا، فبعلم الله وقضائهxii.
١٣- اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ .
الله عز وجل هو خالق الأكوان، وهو الإله الحق، لا معبود بحق سواه، ولا إله إلا الله، وكل ما خلاه باطل، فالأصنام والأوثان، وعزير والمسح والملائكة، والبقر والشجر، والشمس والقمر والنجوم، كلها مخلوقات لله، مربوبة له، فهو الإله الواحد، وكل ما سواه مخلوق مربوب عبد لله.
قال تعالى : ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين . ( الأعراف : ٥٤ ).
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ .
التوكل هو الاعتماد على الله والالتجاء إليه، والثقة بقدرته، والركون والاعتماد عليه، بعد الأخذ بالأسباب.
والتوكل غير التواكل، فالمتوكل هو من يبذر البذرة، ويعتمد على الله في إنضاج الثمرة.
فالمؤمن مطالب بالأخذ بالأسباب، وفي نفس الوقت مطالب باليقين الكامل بأن مسبب الأسباب هو الله تعالى، وبذلك يكون التوكّل على الله طاقة إيجابية تحتاج أمرين رئيسيين في وقت واحد :
الأول : العمل اللازم مع إتقانه والرقي به.
قال تعالى : إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملا . ( الكهف : ٣٠ ).
الثاني : التوكل على الله، والثقة به، واليقين بنصره، والتضرع إليه والاعتماد عليه.
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ .
وقريب من هذه الآية قوله تعالى في سورة إبراهيم :
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( ١١ ) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ . ( إبراهيم : ١١-١٢ ).
تفسير القرآن الكريم
شحاته