هو الذي خَلَقَكُم خلقاً بديعاً، حائزاً لجميع الكمالات العلمية والعملية، ومع ذلك فمنكم كافرٌ أي : فبعض منكم مختار للكفر كاسباً له، على خلاف ما تستدعيه خِلقته، ومنكم مؤمن مختار للإيمان، كاسباً له، على حسب ما تقتضيه خِلقته، وكان الواجب عليكم جميعاً أن تكونوا مختارين للإيمان، شاكرين لنِعم الخلق والإيجاد، وما يتفرّع عليهما من سائر النِعم، فما فعلتُم ذلك مع تمام تمكُّنكم منه، بل تشعّبتم شعباً، وتفرقتم فِرَقاً. وتقديم الكفر لأنه الأغلب والأنسب للتوبيخ. قال القشيري : فمنكم كافر ومنكم مؤمن أي : في سابق علمه سمَّاه كافراً، لعلمه أنه يكفر، وكذلك المؤمن. ه. قال أبو السعود : حَمْله على ذلك مما لا يليق بالمقام، فانظره. واللهُ بما تعملون بصير فيُجازيكم بذلك، فاختاروا منه ما ينفعكم من الإيمان والطاعة، وإياكم وما يرديكم من الكفر والعصيان.
خَلَقَ سماواتِ الأرواح ليُعرف بها، وأرض الأشباح ليُعبد بها، وهو الواحد الأحد، وصوَّركم فأحسن صُورَكم، حيث جعلها جامعة للعوالم العلوية والسفلية ؛ لأنَّ الله تعالى خلق آدم على صورته(١)، وذاته المقدسة جامعة لمظاهر الصفات والأسماء، وتلك المظاهر كلها مجموعة في الصور الآدمية، بخلاف سائر الكائنات، فما في صورتها إلا بعض الأسماء والصفات، فتأمّله. وإليه المصير، أي : وإلى ذاته ترجع جميع الصور والأشكال، فما خرج شيء عن إحاطة الذات والصفات، يعلم ما تُسرُّون من العقائد الصحيحة، وما تُعلنون من العبادات الخالصة، أو : ما تُسرُّون من الكشوفات الذوقية، وما تُعلنون من العبودية الاختيارية، هذا في خاصة أهل الظاهر وأهل الباطن، أو : ما تُسرُّون من العقائد الفاسدة، وما تُعلنون من الأعمال الخبيثة، أو : ما تُسرُّون من الاتحاد أو الحلول، وما تعلنون من العمل والمعلول، وهذا في طالحي الفريقين.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي