ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

تمهيد :
تدل الآيات الأولى من سورة التغابن على كمال قدرة الله، وواسع علمه، واطّلاعه على كل شيء، فجميع المخلوقات تسبح بحمده، إما بلسان الحال، بمعنى أن الكون البديع المنظّم المتكامل يدلّ على كمال القدرة لخالقه سبحانه وتعالى.
وإما بلسان المقال، كما قال سبحانه وتعالى : وإن من شيء إلاّ يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم... ( الإسراء : ٤٤ ).
وهو سبحانه صاحب الملك وحده، والمستحق للحمد دون سواه، وإذا شكرنا العباد فلأنهم سبب ظاهر، والمسبب الحقيقي هو الله تعالى.
وهو سبحانه القادر على كل شيء قدرة مطلقة، فلا يعجزه شيء وهو سبحانه فعال لما يريد.
وهو سبحانه خلق الخلق، ومنحهم الإرادة والاختيار، والكسب والقدرة على التصرف، فمنهم من اختار الكفر، ومنهم من اختار الإيمان، والله تعالى مطّلع على كل شيء، وسيجازى كل إنسان حسب عمله.
الله خالق السماوات والأرض بالحق والعدل، فوضع الأرض للأنام، وجعل فيها معايش للإنسان، وسخّر للإنسان السماء وسائر ما في الكون، كما خلقه في أحسن تقويم وأفضل سورة، وإليه سبحانه وتعالى المرجع والمصير.
والله تعالى عالم بكل مخلوقاته في السماوات والأرض، وعليم بكل السرّ والعلن، وهو سبحانه عليم بالخفايا والنوايا، وعلمه شامل للظاهر والباطن، وخلجات النفس، وخفايا الصدور، وتنكشف أمامه جميع الموجودات انكشافا تاما دون سبق خفاء.
المفردات :
فمنكم كافر ومنكم مؤمن : قال الشوكاني : خلق الكافر وكفره فعل له وكسب، وخلق المؤمن وإيمانه فعل له وكسب. والكافر يكفر ويختار الكفر، والمؤمن يؤمن ويختار الإيمان، والكل بإذن الله، وما تشاءون إلا أن يشاء الله.
التفسير :
٢- هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .
الله تعالى خالق كل شيء، وقد خلق الإنسان في أحسن تقويم، وسخّر له كل شيء في الكون، وكرّم الله الإنسان فخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له الملائكة، ومنحه العقل والإرادة والاختيار وجعل الإنسان مكونا من جسم وروح، جامعا بين لقوى البدنية والقوى العلوية.
فمن الناس من اختار الكفر والضلال والإلحاد بكسبه وإرادته، ومن الناس من اختار الإيمان والطاعة والهداية، والسير على الصراط المستقيم، فسار مع الفطرة الإلهية، واتسق مع الكون، لأن الكون كله خاضع لأمر الله، مُسبح بحمده، والإنسان مؤمن بالفطرة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة، كما تولد البهيمة هل تحسون فيها من جدعاء ؟ فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه " ix. ( رواه البخاري ).
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير .
هو تعالى مطلع على أعمالكم، وسيجازيكم عليها بالعدل، ولا يظلم ربك أحدا }. ( الكهف : ٤٩ ).
قال الطبري :
فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ...
أي : منكم كافر بخلقه، وأنه هو الذي خلقه، ومنكم مصدّق به مؤمن أنه خالقه وبارئه.

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الله محمود شحاتة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير