ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦ

إن تتوبا يعني عائشة وحفصة فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة في المعاتبة وروى في الصحيحين في حديث عبيد ابن عمير عن عائشة في آخر الحديث المذكور في أول السورة قوله إن تتوبا إلى الله لعائشة وحفصة يعني تتوبا إلى الله من التعون على النبي صلى الله عليه وسلم وإفشاء سره وجزاء الشرط محذوف أي أتيتما بالواجب أقيم علة مقامه حيث قال فقد صغت أي زاغت ومالت قلوبكما عن الاستقامة على طريق الحق حيث رضيتما بما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم من تحريم أمة وإفشاء سره والواجب على كل واحد أن يحب ما يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكره ما يكرهه أطلق القلوب على لقلبين ولم يقل قلباكما استثقالا للجمع بين التثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة والفاء لتعليل الجزاء فإن زيغ القلوب سبب للمعصية والمعصية سبب لوجوب التوبة، روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال لم أزل حريصا على أن أسأل عمر ابن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم التي قال الله تعالى : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما حتى حج وحججت معه وعدل وعدلت معه باداوة ثم جاء فسكبت على يديه منها فقلت له يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما قال واعجبا لك يا ابن عباس هما عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه قال كنت أنا ورجال من الأنصار من بني أمية ابن زيد وهم من عد إلى المدينة وكنا نتناوب النزول عن النبي صلى الله عليه وسلم فينزل يوما وأنزل يوما فإذا نزلت حدثته مما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره وإذا نزل فعل مثله وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نسائهم فطفق مساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار فصحت على امرأتي فراجعتني فأنكرت أن تراجعني قالت ولم تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل فأفزعني ذلك وقلت قد خلبت من فعلت ذلك فيهن ثم جمعت على ثيابي فنزلت فدخلت علي حفصة فقلت لها أي حفصة أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل قالت نعم فقلت قد خبت وخسرت أفتأمنين أن يغضب الله بغضب رسوله فتهلكي لا تستكثري على النبي صلى الله عليه وسلم ولا تراجعيه في شيء ولا تهجريه وسليني ما بدا لك ولا يغيرنك إن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد عائشة قال عمر وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا فنزل صاحبه الأنصار يوم نوبته فرجع إلينا عشاء فضرب بأبي ضربا شديدا فقال أثمه هو ففزعت فخرجت إليه فقال قد حدث اليوم أمر عظيم قلت ما و أجاء غسان قال لا بل أعظم من ذلك وأطول طلق النبي صلى الله عليه وسلم نسائه فقلت خابت حفصة وخسرت قد كنت أظن أن هذا يوشك أن يكون فجمعت على ثيابي فصليت صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم فدخل النبي صلى الله عليه وسلم مشربة له فاعتزل فيها فدخلت على حفصة فإذا هي تبكي فقلت ما يبكيك ألم أكن حذرتك هذا طلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت لا أدري ها هو ذا معتزل في المشربة فخرجت فجئت إلى المنبر فإذا حوله رهط يبكي بعضهم فجلست معهم قليلا ثم غلبني ما أجد فجئت المشربة التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم فقلت لغلام له استأذن لعمر، فدخل الغلام فكلم النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع فقال كلمت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرتك له فصمت فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذي عند المنبر ثم غلبني ما أجد فجئت الغلام فقلت استأذن لعمر فدخل ثم رجع إلي فقال ذكرت له فصمت فلما وليت منصرفا فإذا الغلام يدعوني فقال قد أذن لك النبي صلى الله عليه وسلم فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش قد أثر الرمال في جنبه متكئا على وسادة من أدم حشوها ليف فسلمت عليه، ثم قلت وأنا قائم يا رسول الله أطلقت نساءك فرفع إلي بصره فقال لا الله أكبر قلت أنا قائم أستأنس برسول الله صلى الله عليه وسلم لو رأيتني وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم نساءهم فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قلت يا رسول الله لو رأيتني ودخلت على حفصة فقلت لها لا يغيرنك أن جارتك أوضاع منك وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عائشة فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم تبسمة أخرى فجلست حين يتبسم فرفعت بصري في بيته فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر لا غير أهبة ثلاثة فقلت يا رسول الله أدع الله فليتوسع أمتك فإن فارس والروم قد وسع عليهم وأعطوا من الدنيا وهم لا يعبدون الله فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وكان متكئا فقال أوفي هذا أنت يا ابن الخطاب إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا فقلت يا رسول الله استغفر لي فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعا وعشرين ليلة وكان قال ما أنا بداخل عليهن شهرا من شدة موجدة عليهن حين عاتبه الله فما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشة يا رسول الله إنك كنت أقسمت ألا تدخل علينا شهرا وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أعدها عدا فقال :( الشهر تسع وعشرون )وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ليلة قالت ثم أنزل الله آية التخيير فبدأ بي أول مرة من نسائه فاخترته ثم خير نسائه كلهن فقلن ما قالت عائشة١ وروى البخاري عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها إني فاكر لك أمرا فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت ثم قال إن الله قال : يا أيها النبي قل لأزواجك إلى تمام الآيتين فقلت أو في هذا استمر أبوي فإني أيد الله ورسوله والدار الآخرة. هذا الحديث يدل على أن سبب اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نسائه الشهر كان إفشاء حفصة سرها إلى عائشة وما أخرجه مسلم عن جابر أنه دخل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن على رسول الله صلى الله عليه سلم فوجد الناس جلوسا بباب النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤذن لأحد منهم فأذن لأبي بكر فدخل ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا وحوله نساءه واجما ساكتا قال فقال عمر لأقولن شيئا أضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله لو رأيت بيت خارجة سألتني النفقة إليها فوجأت عنقها فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :( هن حولي كما ترى تسألني النفقة ) فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما يقولان لا تسألين رسول الله أبدا ما ليس عنده ثم اعتزلهن شهرا أو تسعا وعشرين ليلة ثم نزلت آية التخيير فبدأ بعائشة الحديث٢ قال الحافظ ابن حجر ويحتمل أن يكون مجموع هذه الأشياء يعني قصة عسل وقصة مارية وإفشاء حفصة السر وقصة سؤال النفقة وقصة رد زينب الهدية ثلاثا وزيادة النبي صلى الله عليه وسلم في هديتها كل مرة رواه ابن سعد من طريق عمرة ومن طريق عروة عن عائشة كان سببا لإعتزالهن وهذا هو اللائق بمكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم وسعة صدره وكثرة صفحه أن ذلك لم يقع منه حتى تكرر موجبه منهن ورضى عنهن صلى الله عليه وسلم والله اعلم وإن تظاهرا عليه قرأ الكوفيون بتخفيف الظاء فحذف أحد التائين والباقون بالتشديد وإدغام أحد التائين في الظاء وأصله تظاهرا أي تتعاونا على النبي صلى الله عليه وسلم بما يسويه من الإفراط في الخيرة وإفشاء سره ولم تتوبا وهذا شرط حذف جزائه أعني لا تظفرا عليه فإن الله يعني لأن الله علة لعدم الظفر هو ضمير فصل مولاه وناصره وجبريل رئيس الكروبين قرينه وناصره وصالح المؤمنين صالح صيغة المفرد أريد بها الجنس ولذلك عم بالإضافة أو صيغة جمع أسقط عند الواو لالتقاء الساكنين وخطأ أيضا باتباع اللفظ يعني من صلح من المؤمنين أجمعين اتباعه وأعوانه وحواليه قال الكلبي هم الذين هم مخلصون ليسوا بمنافقين وروي عن ابن مسعود وأبي ابن كعب أن صالحوا المؤمنين أبو بكر وعمر وكذا روى ابن مسعود وأبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ابن عمر وابن عباس وسعيد ابن جبير أنها نزلت في أبي بكر وعمر وقوله جبرائيل وصالح المؤمنين إما معطوف على الله مرفوع حملا على محله وإما مبتدأ خبره مع ما عطف عليه ظهير وهذا أولي لأن الله وحده كفى به ناصرا وإنما ذكر جبرائيل وصالح المؤمنين والملائكة من جملة ما ينصره إليه به تعظيما لهؤلاء وخص جبرائيل من الملائكة لتعظيمه والملائكة مع كثرتهم بعد ذلك أي بعد نصرة الله وجبرائيل وصالح المؤمنين ظهير أي متظاهرون قال البغوي هذا من الواحد الذي يؤدي من الجمع كقوله تعالى : وحسن أولئك رفيقا ٣ وهذه الآية تدل على أن جبرائيل الذي هو من خواص الملائكة أفضل من عوام البشر وهم صالح المؤمنين أفضل من عوام الملائكة.

١ أخرجه البخاري في كتاب: المظالم باب: الغرفة والعلية المشرفة في السطوح وغيرها ٢٤٦٨.
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الطلاق: باب: في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن ١٤٧٩.
٣ سورة النساء الآية: ٦٩.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير