إِن تتوبا إِلى الله ، الخطاب لحفصة وعائشة، على الالتفات للمبالغة في العتاب، فقد صَغَتْ قُلوبُكما ؛ مالت عن الواجب في مخالصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مِن حُب ما يُحبه، وكراهة ما يكرهه، وكان عليه الصلاة والسلام شقَّ عليه تحريم مارية وكَرِهَه، وهما فرحا بذلك. وجواب الشرط : محذوف، أي : إن تتوبا إلى الله فهو الواجب، فقد زالت قلوبكما عن الحق، أو : تُقبلْ توبتكما، أو هو :" فقد صغت " أي : إن تتوبا زاغت قلوبكما فاستوجبتما التوبة، أو : فقد كان منكما ما يقضي أن يُتاب منه. قال ابن عطية : وهذا الجواب للشرط، وهو متقدم في المعنى، وإنما نزلت جواباً في اللفظ. ه. وقُرئ " زاغت " من الزيغ.
وإِن تَظَاهرا عليه أي : تتعاونا عليه بما يسوؤه، من الإفراط في الغيرة، وإفشاء سرّه، والفرح بتحريم مارية، فإِنَّ اللهَ هو مولاه ؛ وليُّه وناصره، وزيادة " هو " إيذان : أنّه يتولّى ذلك بذاته بلا واسطة، وجبريلُ أيضاً وليّه، الذي هو رئيس الملائكة المقرّبين، وصالحُ المؤمنين أي : ومَن صلح مِن المؤمنين، أي : كل مَن آمن وعمل صالحاً، وقيل : مَن برئ مِن النفاق، وقيل : الصحابة جملة، وقال ابن عباس : أبو بكر وعمر، ورُوي مرفوعاً، وبه قال عكرمة ومقاتل، وهو اللائق ؛ لتوسيطه بين جبريل والملائكة عليهم السلام، فإنه جمع بين التظاهر المعنوي والتظاهر الحسي، فجبريل ظاهَره عليه السلام بالتأييدات الإلهية، وهما وزيراه وظهيراه في أمور الرسالة، وتمشية أحكامها الظاهرة، ولأنَّ تظاهرهما له صلى الله عليه وسلم أشد تأثيراً في قلوب بنتيْهما، وتوهيناً في حقهما، فكانا حقيقا بالذكر، بخلاف ما إذا أريد به جنس الصالحين، كما هو المشهور. قاله أبو السعود.
والملائكةُ مع تكاثر عددهم وامتلاء السموات من جموعهم بعد ذلك أي : بعد نصرةِ الله عزّ وجل، وناموسه الأعظم، وصالح المؤمنين، ظهيراً أي : فوْج ظهير مُعاون له، كأنهم يد واحدة على مَن يعاديه، فماذا يفيد تظاهر امرأتين على مَنْ هؤلاء ظُهراؤه ؟ ولمّا كانت مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله، قال : بعد ذلك تعظيماً لنصرتهم ومظاهرتهم.
وإشارة الآية على ما قال القشيري : وإذ أَسَرَّ القلبُ إلى بعض أزواجه، وهي النفس والهوى، حديث المخالفة، على طريق " شاوروهنّ وخالِفوهنّ " ٢ فلما نبأت النفسُ الهوَى لتفعلا ذلك، وأظهره الله عليه بوحي الإلهام، عَرَّف بعضَه وأعرض عن بعض، أي : عاتبهما على البعض، وسامحهما في الآخر، فلما نبأ القلبُ النفسَ بما أفشت للهوى، قالت : مَن أنبأك هذا.. الخ، إن تتوبا إلى الله، وتنقادا لحكمه فقد وقع منكما ما يوجب التوبة، وإن تظاهرا على القلب بتزيين المخالفة وتتبع الحظوظ والشهوات، فإنَّ الله هو مولاه، ينصره بالأجناد السماوية والأرضية، من التأييدات والواردات، عسى ربه إن طلقكن وغاب عنكن أن يُبدله أخلاقاً طيبة، ونفوساً مطمئنة، مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ، عابداتٍ سائحاتٍ بأفكارها في ميادين الغيوب، وبحار التوحيد، ثيبات، أي : تأتي بعلوم الرسميات وأبكار الحقائق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي