المعنى الجملي : روى البخاري ومسلم عن عائشة أنها قالت :" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، وكان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا، فتواطأتُ أنا وحفصة أن أيّتنا دخل النبي صلى الله عليه وسلم عليها فلتقل له : إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير ( صمغ حلو له رائحة كريهة ينضحه شجر يقال له العرفط يكون بالحجاز )، فقال :" لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له قد حلفت، لا تخبري بذلك أحدا ".
وقد كانت عائشة وحفصة متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال إن التي دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وحرم على نفسه العسل أمامها هي حفصة فأخبرت عائشة بذلك، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم استكتمها الخبر كما استكتمها ما أسرّها به من الحديث الذي يسرّها ويسرّ عائشة، أن أباها وأبا عائشة يكونان خليفتين على أمتي من بعدي، فالسر كان لها بأمرين :
( ١ ) تحريم العسل الذي كان يبغيه عند زينب.
( ٢ ) أمر الخلافة لأبويهما من بعده.
شرح المفردات : إن تتوبا : أي حفصة وعائشة، صغت قلوبكما : أي عدلت ومالت إلى ما يجب للرسول صلى الله عليه وسلم من تعظيم وإجلال، وإن تظاهرا عليه : أي تتظاهرا وتتعاونا على إيذاء الرسول، مولاه : أي وليه وناصره، ظهير : أي ظهراء معاونون، وأنصار مساعدون.
ثم وجه الخطاب لحفصة وعائشة مبالغة في العتب فقال :
إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما أي إن تتوبا من ذنبكما وتقلعا عن مخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم فتحبا ما أحب وتكرها ما كرهه- فقد مالت قلوبكما إلى الحق والخير، وأديتما ما يجب عليكما نحوه صلى الله عليه وسلم من إجلال وتكريم لمنصبه الشريف.
روي عن ابن عباس أنه قال : لم أزل حريصا أن أسأل عمر رضي الله عنه عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله لهما : إن تتوبا إلى الله الآية. حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق نزل ليتوضأ فصببت على يديه، فقلت يا أمير المؤمنين : من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله لهما : إن تتوبا إلى الله الآية ؟ فقال واعجبا لك يابن عباس هما عائشة وحفصة ثم أخذ يسوق الحديث.
ثم ذكر سبحانه أنه حافظه وحارسه فلا يضره أذى مخلوق فقال :
وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير أي وإن تتعاونا على العمل لما يؤذيه ويسوؤه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره- فلن يضره ذلك شيئا، فإن الله ناصره في أمر دينه وسائر شؤونه على كل من يتصدى لما يكرهه، وجبريل والمؤمنون الصالحون والملائكة مظاهرون له ومعينون.
وقد أعظم سبحانه شأن النصرة لنبيه على هاتين الضعيفتين، للإشارة إلى عظم مكر النساء، وللمبالغة في قطع أطماعهما بأنه ربما شفع لهما مكانتهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند المؤمنين لأمومتهما لهم، وكرامة له صلى الله عليه وسلم ورعاية لأبويهما، ولتوهين أمر تظاهرهما، ودفع ما عسى أن يتوهمه المنافقون من ضرره في أمر النبوة، وقهر أعداء الدين، إذ قد جرت العادة بأن الشؤون المنزلية تشغل بال الرجال وتضيع زمنا من تفكيرهم فيها، وقد كانوا أحق به في التفكير فيما هو أجدى نفعا، وأجل فائدة.
تفسير المراغي
المراغي