وبعد أن ألقينا بعض الأضواء على الحادث الطارئ الذي أزعج هناء البيت النبوي الشريف، وجمعنا في نسق واحد الآيات التي ألمت بجميع أطرافه، وما تضمنته من توجيهات إلهية خاصة بالرسول الكريم وأزواجه الطاهرات، ننتقل إلى الآيات الكريمة الأخرى، التي لها طابع توجيهي عام لجميع المؤمنين والمؤمنات، وذلك قوله تعالى في الآية الثانية من هذه السورة : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم٢ إلى آخر الآية، وقوله تعالى في الآية السادسة منها :{ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا... ٦ ، إلى آخر الآية.
وفيما يخص المثل الأعلى لتربية النفس والأهل والأولاد دعا كتاب الله الجميع إلى أن يجعلوا بينهم وبين ما يوجب عقاب الله وعذابه في الدنيا والآخرة وقاية فعالة وحجابا منيعا : قوا أنفسكم وأهليكم نارا ، والأهل يشمل الزوجة والأولاد وما ألحق بهم، والوقاية السابقة خير من العلاج اللاحق، ووقاية النفس تكون بالسلوك الحسن الذي يقيها من الزلات والعثرات، ووقاية الأهل تكون بحسن توجيههم وتقويم اعوجاجهم، ووقاية الأولاد تكون بحسن تربيتهم، والعمل المتواصل على إعدادهم للحياة الصالحة دينا ودنيا منذ الطفولة الأولى. قال أبو بكر ( ابن العربي ) المعافري : فعلى الرجل أن يصلح نفسه بالطاعة، ويصلح أهله إصلاح الراعي للرعية، وكما يؤدب ولده في مصلحتهم يؤدب أهله فيما يصلحه ويصلحهم أدبا خفيفا ". وقال أبو بكر الرازي الجصاص : " وهذا يدل على أن علينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير، وما لا يستغنى عنه من الآداب، وهو مثل قوله تعالى :{ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ( طه : ١٣٢ )، ونحو قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم : وأنذر عشيرتك الأقربين ( الشعراء : ٢١٤ )، ويدل على أن للأقرب فالأقرب منا مزية، في لزومنا تعليمهم، وأمرهم بطاعة الله تعالى، ويشهد له قول النبي صلى الله عليه وسلم : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته "، ومعلوم أن الراعي كما عليه حفظ من استرعي وحمايته والتماس مصالحه فكذلك عليه تأديبه وتعليمه. وبذلك يكون الأزواج والآباء " قوامين " بالمسؤولية الدينية والاجتماعية الملقاة على عواتقهم خير مقام، وتكون حياتهم الشخصية والعائلية في مأمن من الهزات والأزمات، وإلا حقت عليهم وعلى من يقع تحت ولايتهم كلمة العذاب، في الدنيا قبل الآخرة. قال تعالى : ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ( طه : ١٢٤ ). وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما نحل والد ولدا خيرا من أدب حسن ".
ووصف كتاب الله " وقود النار " التي تهدد النفس والأهل والولد بكونه من الناس أولا، ومن الحجارة ثانيا، كما وصف المكلفين بايقادها من الملائكة بكونهم " غلاظا شدادا " على من استحقوا عذاب الله، جزاء تفريطهم في حقوق العباد وحقوق الله، وذلك قوله تعالى : وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون٦ .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري