والشهوة فى ذلك غالبة فقد بان لك محل المرأة من الموجودات وما الذي ينظر إليها من الحضرة الالهية وبماذا كانت لها القوة وقد نبه تعالى على ما خصها به من القوة بقوله وان تظاهر إلخ وما ذكر الا معينا قويا من الملائكة الذين لهم الشدة والقوة فان صالح المؤمنين يفعل بالهمة وهو أقوى من الفعل فان فهمت فقد رميت بك على الطريق فانه تعالى نزل الملائكة بعد ذكره نفسه وجبريل وصالح المؤمنين منزلة المعينين ولا قوة الا بالله وقد اخبر الشيخ أفضل الدين الأحمدى قدس سره انه تفكر ذات ليلة فى قوله تعالى وما يعلم جنود ربك الا هو قال فقلت اين المنازع الذي يحتاج فى مقاتلته الى جنود السموات والأرض وقد قال تعالى والله جنود السموات والأرض وإذا كان هؤلاء جنوده فمن يقاتلون وما خرج عنهم شخص واحد فاذا بهاتف يقول لى لا تعجب فثمة ما هو اعجب فقلت وما هو فقال الذي قصة الله فى حق عائشة وحفصة قلت وما قص فتلا وان تظاهرا إلخ قهذا اعجب من ذكر الجنود انتهى قال فتحرك خاطرى الى معرفة هذه العظمة التي جعل الله نفسه فى مقابلتها وجبريل وصالح المؤمنين فأخبرت بها فى واقعة فما سررت بشئ سرورى بمعرفة ذلك وعلمت من استندنا اليه ومن يقويهما وعلمت ان الله تعالى لولا ذكر نفسه فى النصرة ما استطاعت الملائكة والمؤمنون مقاومتهما وعلمت انهما حصل لهما من العلم بالله والتأثير فى العالم ما أعطاهما هذه القوة وهذا من العلم الذي كهيئة المكنون فشكرت الله على ما اولى انتهى وكان الشيخ على الخواص قدس سره يقول ما أظن أحدا من الخلق استند الى ما استند اليه هاتان المرأتان يقول لوط عليه السلام لو أن لى بكم قوة او آوى الى ركن شديد فكان عنده والله الركن الشديد ولكن لم يعرفه وعرفتاه عائشة وحفصة فلم يعرف قدر النساء لا سيما عائشة وحفصة الا قليل فان النساء من حيث هن لهن القوة العظيمة حتى ان أقوى الملائكة المخلوقة من أنفاس العامة الزكية من كان مخلوقا من أنفاس النساء ولو لم يكن فى شرفهن الا استدعاؤهن أعظم ملوك الدنيا كهيئة السجود لهن عند الجماع لكان فى ذلك كفاية فان السجود أشرف حالات العبد فى الصلاة ولولا الخوف من اثاره امر فى نفوس السامعين يؤديهم الى امور يكون فيها حجابهم عما دعاهم الحق تعالى اليه لأظهرت من ذلك عجبا ولكن لذلك اهل والله عليم وخبير عَسى رَبُّهُ سزاست وشايد پروردگار او. يعنى النبي عليه السلام إِنْ طَلَّقَكُنَّ اگر طلاق دهد شما را كه زنان اوييد. وهو شرط معترض بين اسم عسى وخبرها وجوابه محذوف او متقدم اى ان طلقكن فعسى أَنْ يُبْدِلَهُ اى يعطيه عليه السلام بدلكن أَزْواجاً مفعول ثان ليبدله وقوله خَيْراً مِنْكُنَّ صفة للازواج وكذا ما بعده من قوله مسلمات الى ثيبات وفيه تغليب المخاطب على الغائبات فالتقدير ان طلقكما وغيركما او تعميم الخطاب لكل الأزواج بأن يكن كلهن مخاطبات لما عاتبهما بأنه قد صغت قلوبكما وذلك يوجب التوبة شرع فى تخويفهما بان ذكر لهما انه عليه السلام يحتمل أن يطلقكما ثم انه ان طلقكما لا يعود ضرر ذلك الا اليكما لانه يبدله أزواجا خيرا منكما وليس
صفحة رقم 55
فى الآية ما يدل على انه عليه السلام لم يطلق حفصة وان فى النساء خيرا منهن فان تعليق الطلاق للكل لا ينافى تطليق واحدة وما علق بما لم يقع لا يجب وقوعه يعنى ان هذه الخيرية لما علقت بما لم يقع لم تكن واقعة فى نفسها وكان الله عالما بأنه عليه السلام لا يطلقهن ولكن أخير عن قدرته على انه ان طلقهن أبدله خيرا منهن تخويفا لهن كقوله تعالى وان نتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم فانه اخبار عن القدرة وتخويف لهم لا ان فى الوجود من هو خير من اصحاب محمد عليه السلام قيل كل عسى فى القرآن واجب الا هذا وقيل هو ايضا واجب ولكن الله علقه بشرط وهو التطليق ولم يطلقهن فان المذهب انه ليس على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين الا انه عليه السلام إذا طلقهن لعصبانهن له وأذا هن إياه كان غير هن من الموصوفات بهذه الصفات مع الطاعة لرسول الله خيرا منهن وفى
فتح الرحمن عسى تكون للوجوب فى ألفاظ القرآن الا فى موضعين أحدهما فى سورة محمد فهل عسيتم اى علمتم او تمنيتم والثاني هنا ليس بواجب لان الطلاق معلق بالشرط فلما لم يوجد الشرط لم يوجد الابدال مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ مقرات باللسان مخلصات بالجنان فليس من قبيل التكرار او منقادات انقيادا ظاهريا بالجوارح مصدقات بالقلوب قانِتاتٍ مطبعات اى مواظبات على الطاعة او مصليات تائِباتٍ من الذنوب عابِداتٍ متعيدات او متذللات لامر الرسول عليه السلام سائِحاتٍ صائمات سمى الصائم سائحا لانه يسيح فى النهار بلا زاد فلا يزال ممسكا الى أن يجد ما يطعمه فشبه به الصائم فى إمساكه الى أن يجيئ وقت إفطاره وقال بعضهم الصوم ضربان صوم حقيقى وهو ترك المطعم والمشرب والمنكح وصوم حكمى وهو حفظ الجوارح من المعاصي كالسمع والبصر واللسان والسائح هو الذي يصوم هذا الصوم دون الاول انتهى او مهاجرات من مكة الى المدينة إذ فى الهجرة مزيد شرف ليس فى غيرها كما قال ابن زيد ليس فى امة محمد سياحة الا الهجرة والسياحة فى اللغة الجولان فى الأرض ثَيِّباتٍ شوهر ديدكان وَأَبْكاراً ودختران بكر. والثيب الرجل الداخل بامرأة والمرأة المدخول بها يستوى فيه المذكر والمؤنث فيجمع المذكر على ثيبين والمؤنث على ثيبات من ثاب إذا رجع سميت به المرأة لانها راجعة الى زوجها ان اقام بها والى غيره ان فارقها او الى حالتها الاولى وهى انه لازوج لها فهى لا تخلو عن الثوب اى الرجوع وقس عليها الرجل وسميت العذراء بالبكر لانها على أول حالتها التي طلعت عليها قال الراغب سميت التي لم تفتض بكرا اعتبارا بالثيب لتقدمها عليها فيما يراد له النساء ففى البكر معنى الاولية والتقدم ولذا يقال البكرة لاول النهار والباكورة للفاكهة التي تدرك اولا وسط بينهما العاطف دون غيرهما لتنافيهما وعدم اجتماعهما فى ذات واحدة بخلاف سائر الصفات فكأنه قيل أزواجا خيرا منكن متصفات بهذه الصفات المذكورة المحودة كائنات بعضها ثيبات تعريضا لغير عائشة وبعضها أبكارا تعريضا لها فانه عليه السلام تزوجها وحدها بكرا وهو الوجه فى إيراد الواو الواصلة دون او الفاصلة لانها توهم ان الكل ثيبات او كلها أبكار قال السهيلي
رحمه الله ذكر بعض اهل العلم ان فى هذا اشارة الى مريم البتول وهى البكر والى آسية بينت مزاحم امرأة فرعون وان الله سيزوجه عليه السلام إياهما فى الجنة كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال أبو الليت رحمه الله تكون وليمة فى الجنة ويجتمع عليها اهل الجنة فيزوج الله هاتبين المرأتين يعنى آسية ومريم من محمد عليه السلام وبدأ بالثيب قبل البكر لان زمن آسية قبل زمن مريم ولان ازواج النبي عليه السلام كلهن ثيب الا واحدة وأفضلهن خديجة وهى ثيب فتكون هذه القبلية من قبلية الفضل والزمان ايضا لانه تزوج الثيب منهن قبل البكر وفى كشف الاسرار (روى) عن معاذ بن جبل رضى الله عنه ان النبي عليه السلام دخل على خديجة وهى تجود بنفسها يعنى وى وفات ميكند. فقال أتكرهين ما نزل بك يا خديجة وقد جعل الله فى الكره خيرا كثيرا فاذا قدمت على ضراتك فاقريئهن منى السلام فقالت يا رسول الله ومن هن قال مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وحليمة اخت موسى فقالت بالرفاء والبنين اى اعرست ملتبسا بالرفاء وهو التئام والاتفاق والمقصود حسن المعاشرة وكان هذا دعاء الأوائل للمعرس واحترز بالبنين عن البنات ثم نهى النبي عليه السلام عن هذا القول وامر بأن يقول من دخل على الزوج بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما فى خير ثم ان المراد من الابدال أن يكون فى الدنيا كما أفاده قوله تعالى ان طلقكن لان نساء الجنة يكن أبكارا سوآء كن فى الدنيا ثيبات او أبكارا وفى الحديث (ان الرجل من اهل الجنة ليتزوج خمسمائة حوراء واربعة آلاف ثيب وثمانية آلاف بكر يعانق كل واحدة منهن مقدار عمره فى الدنيا) فان قلت فاذا يكون اكثر اهل الجنة النساء وهو مخالف لقوله عليه السلام يا معشر النساء تصدقن فانى أريتكن اكثر اهل النار قلت لعل المراد بالرجل بعض الرجال لان طبقات الأبرار والمقربين متفاوتة كما دل عليه قوله عليه السلام أدنى اهل الجنة الذي له اثنتان وسبعون زوجة وثمانون ألف خادم ولا بعد فى كثرة الخادم لما قال بعضهم ان أطفال الكفار خدام
اهل الجنة على ان الخدام لا ينحصرون فيهم بل لاهل الجنة خدام اخر فان قلت كان عليه السلام يحب الأخف الأيسر فى كل شىء فلماذا كثر من النساء ولم يكتف منهن بواحدة او ثنتين قلت ذلك من اسرار النبوة ولذا لم يشبع من الصلاة ومن النساء (روى) انه عليه السلام أعطى قوة أربعين رجلا فى البطش والجماع وكل حلال يكدر النفس الا الجماع الحلال فانه يصفيها ويجلى العقل والقلب والصدر ويورث السكون باندفاع الشهوة المحركة على ان شهوة الخواص ليست كشهوة العوام فان نار الشهوة للخواص بعد نور المحبة وللعوام قبله ثم ان فى الآيات المتقدمة فوائد منها ان تحريم الحلال غير مرضى كما ان ابتغاء رضى الزوج بغير وجهه وجه ليس بحسن ومنها ان افشاء السر ليس فى المروءة خصوصا افشاء اسرار السلاطين الصورية والمعنوية لا يعفى وكل سر جاوز الاثنين شاع اى المسر والمسر اليه او الشفتين ومنها ان من الواجب على اهل الزلة التوبة والرجوع قبل الرسوخ واشتداد القساوة ومنها ان البكارة وجمال الصورة وطلاقة اللسان ونحوها وان كانت نفاسة جسمانية مرغوبة عند الناس لكن
الايمان والإسلام والقنوت والتوبة ونحوها نفاسة روحانية مقبولة عند الله وشرف الحسب أفضل من شرف النسب والعلم الديني والأدب الشرعي هما الحسب المحسوب من الفضائل فعلى العاقل أن يتجلى بالورع وهو الاجتناب عن الشبهات والتقوى وهو الاجتناب عن المحرمات ويتزين بزين انواع المكارم والأخلاق الحسنة والأوصاف الشريفة المستحسنة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ امر من الوقاية بمعنى الحفظ والحماية والصيانة أصله اوقيوا كاضربوا والمراد بالنفس هنا ذات الإنسان لا النفس الامارة والمعنى احفظوا وبعدوا أنفسكم وبالفارسية نكاه داريد نفسهاى خود را ودور كنيد. يعنى بترك المعاصي وفعل الطاعات وَأَهْلِيكُمْ بالنصح والتأديب والتعليم أصله أهلين جمع اهل حذفت النون بالاضافة وقد يجمع على اهالى على غير قياس وهو كل من فى عيال الرجل والنفقة من المرأة والولد والأخ والاخت والعم وابنه والخادم ويفسر بالاصحاب ايضا ودلت الآية على وجوب الأمر بالمعروف للأقرب فالأقرب وفى الحديث (رحم الله رجلا قال يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعكم معهم فى الجنة) وفى الحديث (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) وهو من الرعاية بمعنى الحفظ يعنى كلكم ملتزم بحفظ ما يطالب به من العدل ان كان وليا ومن عدم الخيانة ان كان موليا عليه وكلكم مسئول عما التزم حفظه يوم القيامة فالامام على الناس راع والرجل راع على أهل بيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولده وعبد الرجل راع على مال سيده والكل مسئول وقيل أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل اهله وخص الأهلين بالنصيحة مع ان حكم الأجانب كحكمهم فى ذلك لان الأقارب اولى بالنصيحة لقربهم كما قال تعالى قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وقال تعالى وانذر عشيرتك الأقربين ولان شرائط الأمر والنهى قد لا توجد فى حق الأجانب بخلاف الأقارب لاسيما الأهل فان الرجل سلطان اهله وقال بعض اهل الاشارة فى الآية طهروا أنفسكم عن دنس محبة الدنيا حتى تكون أهاليكم صالحين بمتابعتكم فاذا رغبتم فى الدنيا فهم يشتغلون بها فان زلة الامام زلة المأمومين وقال القاشاني رحمه الله الأهل بالحقيقة هو الذي بينه وبين الرجل تعلق روحانى واتصال عشقى سوآء اتصل به اتصالا جسمانيا أم لا وكل ما تعلق به تعلقا عشقيا فبالضرورة يكون معه فى الدنيا والآخرة فوجب عليه وقايته وحفظه من الناري كوقاية نفسه فان زكى نفسه عن الهيئات الظلمانية وفيه ميل ومحبة لبعض النفوس المنغمسة فيها لم يزكها بالحقيقة لانه بتلك المحبة ينجذب إليها فيكون معها فى الهاوية محجوبا بها سوآء كانت قواه لطبيعية الداخلة فى تركيبه أم نفوسا انسانية منتكسة فى عالم الطبيعة خارجة عن ذاته ولهذا يجب على الصادق محبة الأصفياء والأولياء ليحشر معهم فان المرء يحشر مع من أحب ناراً نوعا من النار وَقُودُهَا ما يوقد به تلك النار يعنى حطبها وبالفارسية آتش انگيز وى.
فالوقود بالفتح اسم لما توقد به النار من الحطب وغيره والوقود بالضم مصدر بمعنى الاتقاد وقرئ به بتقدير اسباب وقودها او بالحمل على المبالغة النَّاسُ كفار الانس والجن
وانما لم يذكر الجن ايضا لان المقصود فى الآية تحذير الانس ولان كفار الجن تابعة لكفار الانس لان التكذيب انما صدر اولا من الانس وَالْحِجارَةُ اى تتقدبها ايضا اتقاد غيرها بالحطب ففيه بيان لغاية إحراقها وشدة قوتها فان اتقاد النار بالحجارة مكان الحطب من الشجر يكون من زيادة حرها ولذلك قال عليه السلام ناركم جزء من سبعين جزأ من نار جهنم وعن ابن عباس رضى الله عنهما هى حجارة الكبريت وهى أشد الأشياء حرا إذا أوقد عليها ولها سرعة الاتقاد ونتن الرائحة وكثرة الدخان وشدة الالتصاق بالأبدان فيكون العذاب بها أشد وقيل وقودها الناس إذا صاروا إليها ولحجارة قبل أن يصيروا إليها (قال الكاشفى) تا بتان سنكين كه كفار مى پرستند. دليله قوله تعالى انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم وقرن الناس بالحجارة لانهم نحتوها واتخذوها أربابا من دون الله يا كنجهاى زر وسيم كه منشأ آن سنكست
| ز دو سيمند سنك زرد وسفيد | اندرين سنكها مينداميد |
| دلى از سنك سختتر بايد | كه ز سنكيش راحت افزايد |
| دل ازين سنك اگر تو بر نكنى | سر ز حسرت بسى بسنك زنى |
جمع غليظ بمعنى خشن خال قلبه عن الشفقة والرحمة شِدادٌ شداد القوى جمع شديد صفحة رقم 59
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء