أبي خراش (١):
| كَأَنَّهُمُ يُشَبَّثُونَ بِطَائِرٍ | خَفِيفِ المُشَاشِ عَظْمُهُ غَيْرُ ذي نُحْضِ |
| يُبَادِرُ جُنْحَ اللَّيْلِ فَهْوُ مُهَابِذٌ | يَحُثُّ الجَنَاحَ بالتَّبَسُّطِ والقَبْضِ (٢) |
٢٠ - ولما كان الكفار يمتنعون عن الإيمان وينكرون التوحيد مع وضوح الأدلة صاروا كأنهم يمتنعون من عذاب الله بجند، وأشبهت حالهم من يملك دفع العذاب إن أتاه، فقال الله تعالى منكرا عليهم أن (٣) يكون لهم
(٢) انظر: "ديوان الهذليين" ٢/ ١٥٩ و"الحماسه" لأبي تمام ١/ ٣٨٦، و"الإنصاف" لابن الأنباري ص ٣٩٠، و"تهذيب اللغة" ٦/ ٢٧٦، و"اللسان" ٣/ ٧٦١ (هبذ)، و"الخزانة" ٥/ ٤١٩.
والنحض: اللحم، والقطعة الضخمة منه تسمى نحضة، والمنحوض والنحيض: الذي ذهب لحمه.
والمهابذة: الإسراع. وهابذ: أسرع في مشيته أو طيرانه، والمشاش: رؤوس العظام مثل الركبتين والمرفقين. انظر: "اللسان" ٣/ ٤٨٨، ٥٩٧، ٧٦١ (مشش، نحض، هبذ).
(٣) في (س): (أن) زيادة.
امتناع من عذابه (١) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُم، وهذا نسق على قوله: أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ، ولفظ الجند يوحد، ولذلك قال (٢) هَذَا الَّذِي هُوَ وهو استفهام إنكار. أي: لا جند لكم يَنْصُرُكُمْ يمنعكم من عذاب الله. قال ابن عباس ينصركم مني إن أردت عذابكم (٣).
ثم ذكر أن ما هم فيه غرور فقال: إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ، أي: من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم، أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ، أي: من الذي يرزقكم من آلهتكم المطر إن أمسكه الله عنكم، قاله مقاتل (٤).
ثم قال: بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ أي: ليسوا يعتبرون ولا يتفكرون، لجوا في طغيانهم وتماديهم وتباعدهم عن الإيمان (٥).
ثم ضرب مثلًا فقال: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى (٦)،
(٢) (س): (قيل).
(٣) انظر: "تنوير المقباس" ٦/ ١١٠، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٧٢، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢١٨.
(٤) (س): (قاله مقاتل) زيادة وانظر: "تفسير مقاتل" ١٦٢ أ.
قلت: حمل الآية على عموم الرزق من إعطاء ومنع وخلق ورزق ونصر وغير ذلك أولى، وما ذكره مقاتل من باب التمثيل أخذًا من قوله تعالى: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات: ٢٢]، والله أعلم.
(٥) لج: اللجاج: التمادي والعناد في تعاطي الفعل. "المفردات" (٤٤٧) (لج).
(٦) (أهدى) ساقطة من (س).
والإكباب مطاوع الكب (١)، وذكرنا تفسيره عند قوله: فَكُبَّتْ وُجُوهُهُم [النمل: ٩٠]، ويقال للسادر والهائم (٢) على وجهه في ضلاله: مكب على وجهه، فضرب المكب على وجهه مثلًا للكفار؛ لأنه أكب على وجهه في الغي والكفر يمشي ضالًا أعمى القلب. فهذا أهدى، أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا معتدلًا يبصر الطريق عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو الإسلام، وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي، وقول مقاتل، ومجاهد، والضحاك (٣).
وقال الكلبي: راكبًا رأسه في الكفر والضلالة كما تركب البهيمة رأسها (٤). وقال مقاتل: يعني أبا جهل والنبي -صلى الله عليه وسلم- (٥).
وقال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا جهل وحمزة بن عبد المطلب (٦).
ومعنى المطاوعة: الموافقة، والنحويون ربما سموا الفعل اللازم مطاوعًا. "اللسان" ٢/ ٦١٥ (طوع).
(٢) السادر: هو الذي لا يهتم لشيء ولا يبالي ما صنع.
والهائم: الحائر. يقال: هام في الأمر يهيم إذا تحير فيه. "اللسان" ٢/ ١١٩ (سدر) ٣/ ٨٥٧ (هيم).
(٣) في (س): (وهذا قول ابن عباس) إلى (الضحاك) زيادة.
وانظر: "تنوير المقباس" ٦/ ١١٠، ١١١، و"تفسير مقاتل" ١٦٢ أ، و"جامع البيان" ١٢/ ٢٩/ ٧، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢١٩.
(٤) انظر: "الكشف والبيان" ١٢/ ١٥٨ ب، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٧٢.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" ١٦٢ أ، و"غرائب القرآن" ٢٩/ ١١.
(٦) انظر: "غرائب القرآن" ٢٩/ ١١.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي