ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜ

قوله خَاشِعَةٌ . حال من مرفوع «يُدْعَونَ » و «أبْصَارهُمْ » فاعل به، ونسب الخشوع للأبصار وإن كانت الأعضاء كُلها كذلك لظهور أثره فيها.
وقوله :«وهُمْ سَالِمُونَ ». حال من مرفوع «يُدعَونَ » الثانية.
ومعنى خَاشِعَةٌ أَبْصَارُهُمْ ، أي : متواضعةٌ «تَرْهقُهُمْ ذلَّةٌ » وذلك أن المؤمنين يرفعون رءوسهم، ووجوههم أشد بياضاً من الثلج، وتسود وجوه الكافرين والمنافقين حتى ترجع أشد سواداً من القار.

فصل في تقرير كلام أهل اللغة في الساق


قال ابن الخطيب١ بعد أن حكى أقوال أهلِ اللغةِ في الكشف عن الساق : واعلم أن هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعماله في الشدة مجاز، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلامِ إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة، فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى يستحيل أن يكون جسماً، فيجب حينئذٍ صرف هذا اللفظ إلى المجاز. واعلم أن صاحب الكشَّاف أورد هذا التأويل في معرض آخر، فقال : الكشف عن السَّاق مثلٌ في شدَّة الأمر، فمعنى يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ يوم يشتد، ويتعاظم، ولا كشف ثمَّ ولا ساقَ، كما تقول : الشحيح يده مغلولة، ولا يد ثمَّ، ولا غل، وإنما هو مثل في البخلِ، ثم أخذ يعظم علم البيانِ ويقول : لولاه ما وقفنا على هذه الأسرارِ، وأقولُ : إما أن يدعي أنه يجوز صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، أو تقول : لا يجوز ذلك إلا بعد امتناع حمله على الحقيقة، والأول باطل بالإجماع، ولأنا إن جوزنا ذلك انفتحت أبواب تأويلات الفلاسفةِ في أمر المعاد، فإنهم يقولون في قوله : جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار [ الحج : ٢٣ ] ليس هناك أنهار ولا أشجار، وإنما هو مثل للّذة والسعادة ويقولون في قوله تعالى : اركعوا واسجدوا [ الحج : ٧٧ ] وليس هناك ركوع ولا سجود وإنما هو مثل للتعظيم، ومعلوم أن ذلك يفضي إلى رفع الشرائع، وفساد الدينِ، وأما من قال : إنه لا يصار إلى التأويل، إلا عند قيام الدليل على أنه لا يجوز حمله على ظاهره، فهذا قولُ كُلِّ أحد من المتكلمين، فأين الدقائق التي استند هو بمعرفتها والاطلاع عليها بواسطةِ علم البيان، ثم إن قال بعد أن حكى القول بأن المراد بالساق جهنم، أو ساق العرش، أو ساق ملك عظيم إن اللفظ لا يدل إلا على ساق، وأما أي شيء هو فليس في اللفظ ما يدل عليه، ثم ذكر حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنَّهُ تعالى يتَمثَّلُ للخَلْق يَوْمَ القِيامةِ حِيْنَ يَمُرُّ المُسْلمُونَ فيقول : مَنْ تَعْبُدُونَ ؟ فيقولون : نَعْبُدُ اللَّهَ فيُشْهدُهمْ مرَّتينِ، أو ثلاثاً، ثُمَّ يقُولَ : هَلْ تَعْرفُون ربَّكُمْ ؟ فيقولون : لَوْ عرَّفنَا نَفسَهُ عرفْناهُ، فعِنْدَ ذلِكَ يُكْشَفُ عن سَاقٍ فَلا يَبْقَى مُؤمِنٌ إلاَّ خَرَّ للَّه ساجِداً، ويَبْقَى المُنافِقُونَ ظُهُورهُمْ كالطَّبَقِ الوَاحدِ، كأنَّما فيهَا السَّفافِيدُ »٢.
قال : واعلم أن هذا القول باطل لوجوه :
أحدها : أن الدلائل دلت على أن كل جسم متناهي وكل متناهٍ محدث، وأنّ كلَّ جسم ممكن وكل ممكن محدث.
وثانيها : أنه لو كان المراد ذلك لكان من حق الساق أن يعرف أنها ساق مخصوصة معهودة عنده، وهي ساق الرحمن، أما إذا أجملت ففائدة التنكير : الدلالة على التعظيم، كأنه قال : يوم يكشف عن شدة، وأي شدة لا يمكن وصفها.
وثالثها : أن التعريف لا يحصل بالكشف عن الساق، وإنما يحصل بكشف الوجه، ثم حكى قول أبي مسلم : بأنه لا يمكن حمله على يوم القيامة ؛ لأنه تعالى قال في وصفه : وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود ويوم القيامة ليس فيها تعبد، ولا تكليف، بل المراد منه إما آخر أيام الرجل في دنياه، كقوله تعالى : يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ [ الفرقان : ٢٢ ]، وقوله : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [ الأنعام : ١٥٨ ] الآية لأنه الوقت الذي لا تنفع نفساً إيمانها، وإما حال المرض والهرم والعجز، ثم إنه يرى الناس يدعون إلى الصلاة إذا حضرت أوقاتها، وهو لا يستطيع الصلاة وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سَالِمُونَ مما بهم الآن من الشدة النازلة بهم من هول ما عاينوا عند الموت، أو من العجز والهرم، ونظير هذه الآية فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم [ الواقعة : ٨٣ ]. ثم قال : واعلم أنه لا نزاع في أنه يمكن حمل اللفظ على ما قال أبو مسلم، ثم قال : فأما قوله :«إنه لا يمكن حمله على يوم القيامة بسبب أن الأمر بالسجود حاصل في الدنيا والتكاليف زائلة يوم القيامة ».
فجوابه : أن ذلك لا يكون على سبيل التكليف بل على سبيل التقريع والتخجيل فلم قلت : إن ذلك غير جائزٍ.
قوله وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود في الدنيا وَهُمْ سَالِمُونَ معافون أصحاء.
قال إبراهيم التيمي : أي : يدعون بالأذان، والإقامة، فيأبون.
وقال سعيد بن جبيرٍ : كانوا يسمعون حيّ على الفلاح، فلا يجيبون، وهم سالمون أصحاء٣.
وقال كعبُ الأحبار : والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات.
وقيل : أي : بالتكليف الموجه عليهم في الشرع.
١ ينظر الفخر الرازي ٣٠/٨٣..
٢ أخرجه الحاكم (٤/٥٩٨-٦٠٠) والطبراني كما في "مجمع الزوائد" (١٠/٣٣١-٣٣٣: من طريق أبي الزعراء عن ابن مسعود.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ورده الذهبي بقوله: قلت ما احتجا بأبي الزعراء.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٠١) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في "البعث والنشور"..

٣ ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/٣٨٣) والقرطبي (١٨/١٦٣)..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية