قوله : لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً ، أي : سفينة نوح - عليه الصلاة والسلام - جعلها الله تذكرة وعظةً لهذه الأمةِ حتى أدركها أوائلهم. في قول قتادة.
قال ابن جريجِ : كانت ألواحُهَا على الجوديِّ، والمعنى : أبقيتُ لكم الخشباتِ حتى تذكروا ما حلَّ بقوم نوحٍ، وأنجى الله أباكم، وكم من سفينةٍ هلكت وصارت تراباً، ولم يبق منها شيءٌ، وهذا قولُ الفرَّاءِ.
قال ابنُ الخطيبِ١ : وهذا ضعيفٌ، بل الصوابُ ما قاله الزجاج : أن الضمير في قوله :«لنجعلها » يعود إلى «الواقِعَة » التي هي معلومةٌ، وإن كانت هنا غير مذكورةٍ، والتقدير : لنجعل نجاةَ المؤمنين وإغراق الكافرين عظةً، وعبرةً، ويدل على صحته قوله : وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ فالضمير في قوله :«وتَعِيهَا » لا يمكن عوده إلى السفينة، فكذا الضمير الأول.
قوله :«وتَعِيهَا » العامة : على كسر العين وتخفيف التاء، وهو مضارع «وَعَى » منصوب عطفاً على «لنجْعَلهَا ».
وابن مصرف وأبو عمرو في رواية هارون٢ عنه وقنبل، قال القرطبي٣ : وحميد والأعرج بإسكانها تشبيهاً له ب «رحم، وشهد » وإن لم يكن منه، ولكن صار في اللفظ بمنزلة الفعل الحلقي العين.
قال ابن الخطيب٤ : وروى عن ابن كثيرٍ إسكان العين، جعل حرف المضارعة مع ما بعده بمنزلةٍ واحدةٍ، فحذف وأسكن كما أسكن الحرف المتوسط من «فَخْذ وكَبْد وكَتْف »، وإنما فعل ذلك ؛ لأن حرف المضارعة لا ينفصل من الفعل، فأشبه ما هو من نفس الكلمة، وصار كقول من قال : وَهْو وَهْي، ومثل ذلك وَيَتَّقْهِ [ النور : ٥٢ ] في قراءة من سكَّن القاف.
وروي عن حمزة : إخفاء٥ الكسرة.
وروي عن عاصم وحمزة٦ : بتشديد «الياء ».
وهو غلط عليهما، وإنما سمعهما الراوي يثبتان حركة الياء، فظنَّها شدة.
وقيل : أجريا الوصل مجرى الوقف فضعِّف الحرفُ، وهذا لا ينبغي أن يلتفت إليه.
وروي عن حمزة أيضاً، وموسى٧ بن عبد الله العبسي :«وتعِيهَا » بسكون «الياء ».
وفيه وجهان : الاستئناف، والعطف على المنصوب، وإنما سكنا «الياء » استثقالاً للحركة على حرف العلة، كقراءة : تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [ المائدة : ٨٩ ].
فصل في «وعى »
قال الزَّجَّاجُ : يقال : وعيتُ كذا، أي : حفظتُه في نفسي، أعيه وعْياً ووعيتُ العلمَ، ووعيتُ ما قلته كله بمعنى، وأوعيت المتاع في الوعاء.
قال الزجاجُ : يقال لكل ما حفظته في غير نفسك : أوعيتُه - بالألف - ولما حفظته في نفسك : وعيته، بغير ألف.
قال ابن الخطيب٨ : واعلم أن وجه التذكير في هذا أن نجاة قومٍ من الغرقِ في السَّفينة، وتغريق من سواهم يدل على قدرة مدبر العالم، ونفاذ مشيئته، ونهاية حكمته، ورحمته، وشدة قهره.
«روي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال عند نزول هذه الآية :" سَألْتُ اللَّه أنْ يَجْعلهَا أذنَكَ يا عليُّ "، قال علي رضي الله عنه :" فما نَسِيتُ شيئاً بعد ذلك " ٩.
فإن قيل : لِمَ قال :«أذُنٌ واعِيَةٌ » على التوحيد والتنكير ؟.
فالجوابُ : للإيذان بأن الوعاة فيهم قلةٌ، ولتوبيخ الناس بقلة من يَعِي منهم، والدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعيت وعقلتْ عن الله، فهي السَّواد الأعظم عند الله، وأن سواها لا يلتفت إليهم، وإن امتلأ العالمُ منهم.
ونظير هذه الآية قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ [ ق : ٣٧ ].
قال قتادة : الأذُنُ الواعيةُ أذنٌ عقلتْ عن الله تعالى، وانتفعت بما سمعت من كتاب الله عز وجل١٠.
٢ ينظر: البحر المحيط ٨/١٣٧، والدر المصون ٦/٨٣٦٣..
٣ الجامع لأحكام القرآن ١٨/١٧١..
٤ ينظر: الفخر الرازي ٣٠/٩٤..
٥ ينظر: البحر المحيط ٨/١٣٧، والدر المصون ٦/٣٦٣..
٦ ينظر السابق..
٧ ينظر السابق..
٨ ينظر: الفخر الرازي ٣/٩٤..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢١٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٠٧) وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق شهر بن حوشب عن مكحول به..
١٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢١٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٣) وعزاه إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود