كنا في إرادة اللَّه - تعالى - من الكائنين، واللَّه أعلم.
أو ذكر ذلك منّة منه على الأبناء بصنيعه بالآباء؛ ليعلم أن على الأبناء شكر ما أحسن إلى آبائهم وأجدادهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢) فوجه التذكرة فيه: أن أهل مكة أبوا إجابة الرسول، وقالوا: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)، فذكرهم أنهم، أولاد من حملوا مع نوح - عليه السلام - في السفينة، وهم إنما استوجبوا النجاة، وشرفوا في الدارين جميعًا باتباعهم الرسل، فما لكم لا تتبعونهم في تصديق الرسل دون أن تتبعوا المكذبين للرسل، أو يذكرهم كذبهم في قولهم: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ)، بل قد وجدتم آباءكم على خلاف ما أنتم عليه، وقد تعلمون أن آباءكم هم الذين اتبعوا نوحًا فنجوا، وهم المؤمنون دون الكفرة.
ووجه آخر: أنه ذكرهم أحوال المكذبين، وإلى ماذا آل أمرهم من الغرق والهلاك؛ فيكون فيه تخويف من كذب من أهل مكة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فصارت تلك الجارية وهي السفينة موعظة وتذكرة تذكرهم عواقب المصدقين بالرسل والمكذبين لهم.
أو ذكرهم عظيم نعمه على آبائهم الذين حملوا في السفينة؛ ليستأدي منهم شكر ذلك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كم من سفينة قد هلكت منذ ذلك الوقت وهي قائمة في موضع كذا عبرة وتذكرة.
ثم التذكرة تخرج على وجهين:
أحدهما: أن يراد بها الآية والعبرة؛ أي: جعلنا لكم ذلك؛ لتعتبروا، وتكون آية لكم على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته؛ كقوله: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ).
والثاني: أي: جعلنا تلك الأنباء تذكرة لكم؛ أي: جعلناها قرآنا تقرءونها وتذكرونها إلى آخر الأبد؛ فتشكرون اللَّه - تعالى - على ما صنع إليكم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) يقال: وعى الشيء: إذا حفظه، وأوعاه: إذا حفظه بإناء أو غيره؛ أي: تحفظها أذن واعية؛ بمعنى: حافظة؛ فأضاف الوعي والحفظ إلى الأذن، والأذن لا تعي؛ بل تسمع، ثم يعيه القلب، ولكن نسب الوعي إلى
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم