ثُمَّ ذكر ذلك اليوم فقال :
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث ، يجوز أن يكون بدلاً من «يومهم » أو منصوب بإضمار «أعني ».
ويجوز على رأي الكوفيين أن يكون خبر ابتداءٍ مضمر، وبني على الفتح، وإن أضيف إلى معرب، أي : هو يوم يخرجون، كقوله : هذا يَوْمُ يَنفَعُ [ المائدة : ١١٩ ]. وتقدم الكلام عنه مشبعاً.
والعامة : على بناء «يَخْرجُونَ » للفاعل.
وقرأ السلميُّ والمغيرة١، وروي عن عاصمٍ : بناؤه للمفعول.
قوله :«سِراعاً »، حال من فاعل «يَخْرجُونَ »، جمعُ سِرَاع ك «ظِرَاف » في «ظَريف »، و «كأنَّهُمْ » حال ثانية منه، أو حال من ضمير الحال، فتكونُ متداخلة.
والأجداثُ : القبور، ونظيره : فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [ يس : ٥١ ]، أي : سِرَاعاً إلى إجابة الدَّاعي.
قوله : إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ . متعلق بالخبر.
والعامَّة : على «نَصْبٍ » بالفتح، وإسكان الصاد.
وابن عامر وحفص : بضمتين٢.
وأبو عمران [ الجوني ]٣ ومجاهد : بفتحتين.
والحسن وقتادة وعمرو بن ميمون وأبو رجاء وغيرهم٤ : بضم النون، وإسكان الصاد.
فالأولى : هو اسم مفرد بمعنى العلمِ المنصوب الذي يُسْرعُ الشخصُ نحوه.
وقال أبو عمرو : هو شَبكةُ الصَّائدِ، يُسْرِع إليها عند وقوع الصيد فيها مخافة انفلاته.
وأمَّا الثانية، فتحتملُ ثلاثة أوجهٍ :
أحدها : أنه اسم مفرد بمعنى الصنم المنصوب للعبادة.
وأنشد للأعشى :[ الطويل ]
٤٨٧٤ - وذَا النُّصُبِ المَنْصُوبِ لا تَعْبُدَنَّهُ***لِعاقِبَةٍ واللَّهَ ربَّك فاعْبُدَا٥
يعني : إيَّاك وذا النُّصُبِ.
الثاني : إنَّه جمعُ «نِصَاب » ك «كُتُب » و «كِتَاب ».
الثالث : أنَّه جمع «نَصْب » نحو :«رَهْن ورُهُن، وسَقْف وسُقُف » وهذا قول أبي الحسن.
وجمع الجمع : أنصاب.
وقال النحاسُ : وقيل : نُصُبٌ ونَصْبٌ، بمعنى واحد، كما قيل : عُمْر وعُمُر وأسُد وأسْد جمع أسَد.
وأما الثالثة : ففعلٌ بمعنى مفعول، أي : منصوب كالقَبضِ والنَّقضِ.
والرابعة : تخفيفٌ من الثانية، والنصب أيضاً : الشر والبلاء، ومنه قوله تعالى : أَنِّي مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ ص : ٤١ ].
فصل في معنى قوله : نصب
قال ابن عباس :«إلى نصب »، أي إلى غاية، وهي التي ينتهي إليها بصرُك٦.
وقال الكلبيُّ : هو شيءٌ منصوب علمٌ أو رايةٌ٧.
وقال الحسنُ : كانوا يبتدرون إذا طلعت الشمسُ إلى نصبهم التي كانوا يعبدونها من دون الله لا يلوي أوَّلهم على آخرهم٨.
و «يُوفضُونَ » : يُسْرعُونَ.
وقيل : يستبقون.
وقيل : يسعون.
وقيل : ينطلقون، وهي متقاربة، والإيفاض : الإسراع ؛ قال الشاعر :[ المتقارب ]
٤٨٧٥ - فَوَارسُ ذبْيانَ تَحْتَ الحَدِي***دِ كالجِنِّ يُوفِضْنَ منْ عَبْقَرِ٩
وعبقر : موضع تزعم العرب أنه من أرض الجنِّ ؛ قال لبيد :[ الطويل ]
٤٨٧٦ -. . . *** كُهُولٌ وشُبَّانٌ كجِنَّةِ عَبقَرِ١٠
وقال الآخر :[ الرجز ]
٤٨٧٧ - لأنْعَتَنْ نَعَامَةً مِيفَاضَا١١ ***. . .
وقال الليثُ : وفضَتِ الإبل تَفضِي وفُضاً، وأوفضها صاحبُها، فالإيفاض متعد، والذي في الآية لازم يقال : وفض وأوفض، واستوفض بمعنى : أسْرَع.
٢ ينظر: السبعة ٦٥١، والحجة ٦/٣٢٢، ٣٢٣، وإعراب القراءات ٢/٣٩٣-٣٩٤..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٣٧١، والبحر المحيط ٨/٣٣٠، والدر المصون ٦/٣٨٠..
٤ ينظر السابق..
٥ تقدم..
٦ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١٩٢)..
٧ ينظر المصدر السابق..
٨ ينظر المصدر السابق..
٩ ينظر القرطبي ١٨/١٩٢، والبحر ٣٣٠٨، والدر المصون ٦/٣٨١..
١٠ عجز بيت وصدره:
ومن غاد من إخوانهم وبنيهم ***...
ينظر ديوانه (٥٤)، ولسان العرب (عبقر)، والصحاح (عبقر)..
١١ ينظر البحر ٨/٣٣٠، والدر المصون ٦/٣٨١..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود