قوله : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً .
قيل : الرجاء هنا بمعنى الخوف، أي : ما لكم لا تخافون لله عظمة، وقدرة على أحدكم بالعقوبة، أي : أيُّ عذر لكم في ترك الخوف من الله ؛ قال الهذليُّ :[ الطويل ]
٤٨٧٩ - إذَا لَسَعتْهُ النَّحْلُ لمْ يَرْجُ لَسْعهَا ***. . . ١
وقال سعيد بن جبيرٍ وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح : ما لكم لا ترجون لله ثواباً، ولا تخافون له عقاباً٢.
وقال سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ ، لا تخشون لله عقاباً وترجون منه ثواباً٣.
وقال الوالبي والعوفي عنه : ما لكم لا تعلمون لله عظمة٤.
وقيل : ما لكم لا تعتقدون لله عظمة.
وقال ابن عباس ومجاهد : ما لكم لا ترون لله عظمة.
قال قطرب : هذه لغةٌ حجازيةٌ، وهذيل وخزاعةُ ومضر يقولون : لم أرج، أي : لم أبال.
قوله :«وقَاراً »، يجوز أن يكون مفعولاً به على معان، منها : ما لكم لا تأملون له توقيراً، أي : تعظيماً.
قال الزمخشريُّ : والمعنى ما لكم لا تكونون على حالٍ، تأملون فيها تعظيم الله إيَّاكم في دار الثواب «ولله » بيانٌ للموقر، ولو تأخر لكان صلته. انتهى.
أي : لو تأخر «للَّهِ » عن «وقَاراً » لكان متعلقاً به، فيكون التوقير منهم لله تعالى وهو عكس المعنى الذي قصده، ومنها : لا تخافون لله حلماً وترك معاجلة بالعقاب فتؤمنوا.
ومنها : لا تخافون لله عظمة، وعلى الأول يكون الرجاء على بابه، وقد تقدم أن استعماله بمعنى الخوف مجاز ومشترك.
وأن يكون حالاً من فاعل «تَرجُونَ »، أي : موقرين الله تعالى، أي : تعظمونه ف «لِلَّهِ » على هذا متعلق بمحذوف على أنه حالٌ من «وقَاراً » أو تكون اللام زائدة في المفعول به، وحسنه هنا أمران : كون العامل فرعاً، وكون المعمول مقدماً، و «لا تَرْجُونَ » حال.
وقد تقدم نظيره في المائدة٥.
والوقارُ : العظمة، والتوقيرُ التعظيم، ومنه قوله تعالى : وَتُوَقِّرُوهُ [ الفتح : ٩ ].
وقال قتادةُ : ما لكم لا ترجون لله عاقبة كأن المعنى : ما لكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان٦.
وقال ابن كيسان : ما لكم لا ترجون في عبادة الله، وطاعته أن يثيبكم على توقيركم خيراً.
وقال ابن زيد : ما لكم لا تؤتون لله تعالى طاعة٧.
وقال الحسنُ : ما لكم لا تعرفون لله حقاً، ولا تشكرون له نعمة٨.
وقيل : ما لكم لا توحدون الله لأن من عظمه فقد وحَّده.
وقيل : إن الوقار هو : الثبات لله عز وجل، ومنه قوله تعالى : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [ الأحزاب : ٣٣ ] أي : اثبتن، والمعنى : ما لكم لا تثبتون وحدانية الله تعالى، وأنه إلهكم، لا إله لكم غيره، قاله ابن بحر، ثم دلَّهم على ذلك فقال : وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً .
... *** وخالفها في بيت نوب عواسل
ينظر ديوانه ١٤٣٨، ومجاز القرآن ١/٢٧٥، ٢/٧٣ وفيه (نوب عوامل) بدل من (نوب عواسل) وجمهرة الأشعار ٩، والطبري ١١/١٥٦..
٢ ينظر تفسير القرطبي (١٨/١٩٦)..
٣ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٤٥) وعزاه إلى ابن أبي حاتم..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٤٩-٢٥٠) عن ابن عباس ومجاهد.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٢٤-٤٢٥) عن ابن عباس وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والبيهقي في "الشعب" من طرق عنه..
٥ آية رقم ٤٦..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٥٠)..
٧ ينظر المصدر السابق..
٨ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١٩٦)..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود