ﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً أي أيّ عذر لكم في ترك الرجاء، والرجاء هنا بمعنى الخوف : أي ما لكم لا تخافون الله، والوقار العظمة من التوقير وهو التعظيم، والمعنى لا تخافون حقّ عظمته، فتوحدونه وتطيعونه، و لاَ تَرْجُونَ في محل نصب على الحال من ضمير المخاطبين، والعامل فيه معنى الاستقرار في لكم، ومن إطلاق الرجاء على الخوف قول الهذلي :
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ***. . .
وقال سعيد بن جبير وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح : ما لكم لا ترجون لله ثواباً ولا تخافون منه عقاباً. وقال مجاهد والضحاك : ما لكم لا تبالون لله عظمة. قال قطرب : هذه لغة حجازية. وهذيل وخزاعة ومضر يقولون : لم أرج : لم أبل. وقال قتادة : ما لكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان. وقال ابن كيسان : ما لكم لا ترجون في عبادة الله وطاعته أن يثيبكم على توقيركم خيراً. وقال ابن زيد : ما لكم لا تؤدّون لله طاعة. وقال الحسن : ما لكم لا تعرفون لله حقاً، ولا تشكرون له نعمة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : جعلوا أصابعهم في آذانهم قال : لئلا يسمعوا ما يقول واستغشوا ثِيَابَهُمْ قال : ليتنكروا، فلا يعرفهم واستكبروا استكبارا قال : تركوا التوبة. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عنه واستغشوا ثِيَابَهُمْ قال : غطوا وجوههم لئلا يروا نوحاً ولا يسمعوا كلامه. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقي في الشعب عنه أيضاً في قوله : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً قال : لا تعلمون لله عظمة. وأخرج ابن جرير والبيهقي عنه أيضاً : وَقَاراً قال : عظمة. وفي قوله : وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً قال : نطفة، ثم علقة، ثم مضغة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال : لا تخافون لله عظمة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : لا تخشون له عقاباً ولا ترجون له ثواباً. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عليّ بن أبي طالب :«أن النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى ناساً يغتسلون عراة ليس عليهم أزر فوقف فنادى بأعلى صوته مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ».
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن عبد الله بن عمرو قال : الشمس والقمر، وجوههما قبل السماء وأقفيتهما قبل الأرض، وأنا أقرأ بذلك عليكم أنه من كتاب الله : وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن عبد الله بن عمر قال : تضيء لأهل السموات، كما تضيء لأهل الأرض. وأخرج عبد بن حميد عن شهر بن حوشب قال : اجتمع عبد الله بن عمرو بن العاص وكعب الأحبار وقد كان بينهما بعض العتب، فتعاتبا فذهب ذلك، فقال عبد الله بن عمرو لكعب : سلني عما شئت، فلا تسألني عن شيء إلاّ أخبرتك بتصديق قولي من القرآن، فقال له : أرأيت ضوء الشمس والقمر أهو في السموات السبع، كما هو في الأرض ؟ قال : نعم ألم تروا إلى قول الله خَلَقَ سَبْعَ سموات طِبَاقاً وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه عن ابن عباس : وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً قال : وجهه في السماء إلى العرش وقفاه إلى الأرض. وأخرج عبد بن حميد من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه : وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً قال : خلق فيهنّ حين خلقهنّ ضياء لأهل الأرض، وليس في السماء من ضوئه شيء، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً : سُبُلاً فِجَاجاً قال : طرقاً مختلفة.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية