تمهيد :
يعرض نوح شكواه على ربه القدير، فقد قدّم نوح النصح والإرشاد، سرا وجهرا، ليلا ونهارا، ومع كل ما فعل هرب القوم منه، وخالفوا أمره، وتركوا دعوته، وساروا وراء دعاة آثمين، غرّهم المال والجاه، والأولاد والسلطان، فازدادوا خسرانا وكفرانا، وبيتوا الاحتيال على البسطاء والعامة، وألحّوا عليهم بالكفار والبعد عن نوح، والالتزام بعبادة الأصنام، خصوصا أكبر الأصنام وهي خمسة : ودّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، ولقد ضل هؤلاء الكفار وأضلوا كثيرا من العامة، وهنا نوح ربه بأن يزيد هؤلاء الظالمين الطغاة، دعاة السوء والكفر، ضلالا وبعدا عن الهداية، عقوبة عاجلة في الدنيا، وسبيلا إلى النار في الآخرة.
٢٤- وقد أضلّوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا.
أي : أضلّ القادة المبطلون خلقا كثيرا بهذه الأصنام، أو أضلت الأصنام خلقا كثيرا، حيث توهّموا أنها آلهة حقا، وأنها تنفع أو تضرّ، وهو وهم خاطئ، وقد استمرت عبادتها قرونا كثيرة، فقلّدهم الناس بدون أدلة عقلية أو نقلية، أو برهان أو حجة.
كما قال إبراهيم عليه السلام في دعائه لله : واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام* رب إنهن أضللن كثيرا من الناس... ( إبراهيم : ٣٥، ٣٦ ).
ولا تزد الظالمين إلا ضلالا.
توجه نوح إلى ربه بعد أن يئس من هداية هؤلاء الطغاة المضللين، قائلا : لا تزد هؤلاء الظالمين المشجّعين للناس على عبادة الأصنام إلا ضلالا وبعدا عن الهداية.
كما قال موسى عليه السلام حين دعا على فرعون وملئه : ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى روا العذاب الأليم. ( يونس : ٨٨ ).
وقد استجاب الله لنوح فأغرق قومه المكذبين، واستجاب الله لموسى فأغرق فرعون وملأه.
تفسير القرآن الكريم
شحاته