ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ

قوله : وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ ، أي : إلى سبب المغفرةِ، وهي الإيمانُ بك والطاعة لك جعلوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ لئلاَّ يسمعُوا دُعائِي واستغشوا ثِيَابَهُمْ أي : غطُّوا بها وجوههم لئلاَّ يرون.
قال ابن عبَّاسٍ : جعلوا ثيابهم على رءوسهم لئلاَّ يسمعوا كلامي، فاستغشاءُ الثِّياب إذن زيادة في سدِّ الآذان حتى لا يسمعوا، أو لتنكيرهم أنفسهم حتى يسكت، أو ليعرفوه إعراضهم عنه١.
وقيل : هو كنايةٌ عن العداوةِ، يقال : لبس فلانٌ ثياب العداوةِ «وأصَرُّوا » على الكفر فلم يتوبوا، «واسْتَكْبَرُوا » عن قبول الحق، وهو قولهم : أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون [ الشعراء : ١١١ ].
قوله :«لِتَغْفِرَ »، يجوز أن تكون للتعليل، والمدعو إليه محذوفٌ، أي : دعوتهم للإيمان بك لأجلِ مغفرتك لهم، وأن تكونَ لام التَّعديةِ، ويكون قد عبَّر عن السبب بالمسبب، الذي هو حظهم، والأصل دعوتهم للتوبة التي هي سببٌ في الغفران.
و «جَعلُوا »، هو العامل في «كُلَّمَا » وهو خبر «إنِّي ».
قوله :«جِهَاراً »، يجوز أن تكون مصدراً من المعنى ؛ لأنَّ المعنى يكون جهاراً وغيره، فهو من باب «قعد القُرفُصَاء »، وأن يكون المرادُ ب «دعوتهم » : جاهرتهم. وأن يكون نعت مصدر محذوف أي : دعاء جهاراً.
وأن يكون مصدراً في موضع الحالِ، أي : مجاهراً، أو ذا جهارٍ، أو جعل نفس المصدر مبالغة.
قال الزمخشريُّ :«فإن قلت : ذكر أنه دعاهم ليلاً ونهاراً، ثم دعاهم جهاراً، ثُمَّ دعاهم في السرِّ والعلن فيجب أن يكون ثلاث دعواتٍ مختلفاتٍ، حتى يصح العطفُ.
قلتُ : قد فعل - عليه السلام - كما يفعل الذي يأمُر بالمعروفِ، وينهى عن المنكرِ في الابتداء بالأهون، والترقي إلى الأشدِّ فالأشدِّ، فافتتح في المناصحة بالسرِّ فلما لم يقبلوا ثَنَّى بالمجاهرة، فلمَّا لم يقبلوا ثلَّث بالجمع بين السرِّ والإعلان، ومعنى " ثُمَّ " للدلالة على تباعد الأحوال ؛ لأن الجهاد إذا غلظ من الإسرار، والجمعُ بين الأمرين، أغلظُ من إفراد أحدهما ».
وقال أبو حيان٢ :«وتكرر كثيراً له أنَّ " ثُمَّ " للاستبعاد، ولا نعلمه لغيره ».
وقوله :«اسْتِكبَاراً ». قال القرطبيُّ٣ : تفخيم.

١ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٢٤) وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن المنذر..
٢ ينظر: البحر المحيط ٨/٣٣٩..
٣ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٨/١٩٤..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية