وَإِنّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ أي كلما دعوتهم إلى سبب المغفرة، وهو الإيمان بك، والطاعة لك جَعَلُواْ أصابعهم فِي آذانهم لئلا يسمعوا صوتي واستغشوا ثِيَابَهُمْ أي غطوا بها وجوههم لئلا يروني. وقيل : جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا كلامي، فيكون استغشاء الثياب على هذا زيادة في سدّ الآذان. وقيل : هو كناية عن العداوة. يقال : لبس فلان ثياب العداوة. وقيل : استغشوا ثيابهم لئلا يعرفهم فيدعوهم وَأَصَرُّواْ أي استمروا على الكفر، ولم يقلعوا عنه ولا تابوا منه واستكبروا عن قبول الحق، وعن امتثال ما أمرهم به استكبارا شديداً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن عبد الله بن عمرو قال : الشمس والقمر، وجوههما قبل السماء وأقفيتهما قبل الأرض، وأنا أقرأ بذلك عليكم أنه من كتاب الله : وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن عبد الله بن عمر قال : تضيء لأهل السموات، كما تضيء لأهل الأرض. وأخرج عبد بن حميد عن شهر بن حوشب قال : اجتمع عبد الله بن عمرو بن العاص وكعب الأحبار وقد كان بينهما بعض العتب، فتعاتبا فذهب ذلك، فقال عبد الله بن عمرو لكعب : سلني عما شئت، فلا تسألني عن شيء إلاّ أخبرتك بتصديق قولي من القرآن، فقال له : أرأيت ضوء الشمس والقمر أهو في السموات السبع، كما هو في الأرض ؟ قال : نعم ألم تروا إلى قول الله خَلَقَ سَبْعَ سموات طِبَاقاً وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه عن ابن عباس : وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً قال : وجهه في السماء إلى العرش وقفاه إلى الأرض. وأخرج عبد بن حميد من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه : وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً قال : خلق فيهنّ حين خلقهنّ ضياء لأهل الأرض، وليس في السماء من ضوئه شيء، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً : سُبُلاً فِجَاجاً قال : طرقاً مختلفة.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني