الآية ١٣ : وقوله تعالى : وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فالهدى، هو الدعاء إلى الحق، فيحتمل أن يكون لما دعينا إلى الحق، وهو القرآن، آمنا به.
ألا ترى إلى قوله عز وجل : يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم [ الأحقاف : ٣٠ ] وقوله١ تعالى في أول السورة : يهدي إلى الرشد ؟ [ الجن : ٢ ].
ويجوز٢ أن يكون الهدى، هو الاهتداء، أي لما سمعنا ما به اهتدينا.
وظن أبو بكر الأصم أنهم كانوا كفرة إلى أن سمعوا الهدى، فآمنوا به ؛ لأنهم٣ لو كانوا/٦٠٣ أ/ على الهدى من قبل لكان الإيمان منهم سابقا، فلا يجوز لقوله فآمنا به وقد آمنوا به من قبل، معنى. وليس يثبت كفرهم بما ذكر لأنه قد يجوز ان يكونوا على الإيمان، فلما٤ سمعوا الهدى أحدثوا إيمانا بهذا الهدى على ما سبق منهم من الإيمان بالجملة.
ألا ترى إلى قوله عز وجل : فزادتهم إيمانا [ التوبة : ١٢٤ ] وقوله٥ : ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ؟ [ الفتح : ٤ ] أي زادوا إيمانا لتفسير مع ما سبق منهم من الإيمان بالجملة[ لا ]٦ أنهم لم يكونوا من قبل مؤمنين، فأحدثوه للحال، وكذلك قولهم٧ : اهدنا الصراط المستقيم [ الفاتحة : ٦ ] [ وقد هدوا الصراط المستقيم ]٨ ولكنهم يريدون بهذا الدعاء : أن اهدنا بالإشارة إليه والتعيين الصراط المستقيم على ما هديتنا في الجملة. فكذلك إحداثهم الإيمان بما سمعوا من الهدى، لا ينفي عنهم الإيمان في ما سبق من الأوقات، بل يجوز أن يكونوا مؤمنين من قبل، ثم يحدثوا٩ الإيمان بكل أمر يجيئهم من عند الله عز وجل ولا يدل إيمانهم على أنهم لم يكونوا من قبل مسلمين، والله أعلم.
وقوله تعالى : فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا قال، رحمه الله : إنه لا أحد من أهل الإيمان من جني ولا إنسي يخاف البخس والرهق من الله تعالى إلا المعتزلة ؛ فإنهم يخافون ذلك لأنهم ليسوا يخرجون مرتكبي الكبائر، بل١٠ يطلقون القول فيهم : إنهم يخلدون في النار، وفي التخليد تخويف البخس والرهق، بل فيه ما يزيد على البخس، وهو النقصان، وفي التخليد ذهاب منفعة الإيمان ومنفعة الخيرات التي سبقت منهم.
وقال تعالى : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [ البقرة : ٢٨٦ ] والمعتزلة تزعم أنه لو آخذهم بالخطأ والنسيان كان جائرا، وقال : ربنا لا تزغ قلوبنا إذ هديتنا [ آل عمران : ٨ ] وهم يزعمون أنه لو أزاغ قلوبهم بعد الهدى كان منه جورا وظلما ؛ فهم أبدا على خوف من جور ربهم، ونحن نقول : إنه لو آخذهم به كان يكون ذلك منه عدلا، وإذا عفا عنهم كان ذلك منه إنعاما وإفضالا.
فنحن ندعو الله تعالى، ونتضرع إليه ألا يعاملنا بعدله، فنهلك، بل[ ندعوه أن ]١١ يعاملنا بالإفضال والإنعام.
وعلى قول المعتزلة :[ من ]١٢ ارتكب كبيرة ردت عليه حسناته، وصار عدوا لله تعالى[ وخلد ]١٣ وفي النار أبدا الآبدين، والله تعالى يقول : إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها [ النساء : ٤٠ ] وأولى الحسنات التي تستوجب عليها المضاعفة، هي الإيمان بالله تعالى، فلا يجوز أن يخلد في النار، وتذهب عنه منفعة الإيمان سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا [ الإسراء : ٤٣ ].
ثم قوله تعالى : بخسا ولا رهقا يحتمل وجهين :
أحدهما : البخس النقصان أي لا ينقص من حسناته، والرهق الظلم، كقوله تعالى : فلا يخاف ظلما ولا هضما [ طه : ١١٢ ] ولا يحمل عليه من سيئات ارتكبها غيره :
والثاني : فلا يخاف بخسا أي لا تقبل حسناته إذا تاب ولا رهقا أي يظلم فلا تحسب له حسناته شيئا.
٢ الواو ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل و م: لأنه..
٤ في الأصل و م: فلا..
٥ في الأصل و م: وقال..
٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٧ في الأصل و م: قال..
٨ من م، ساقطة من الأصل..
٩ في الأصل و م: يحدثون..
١٠ في الأص و م: ثم..
١١ ساقطة من الأصل و م..
١٢ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل و م..
١٣ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل و م..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم