ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝ ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨ ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲ ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺ

تفسير سورة الجن
ثمان وعشرون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم
قُلْ يا محمد لقومك أُوحِيَ إِلَيَّ اى ألقى على بطريق الوحى وأخبرت باعلام من الله تعالى والإيحاء اعلام فى خفاء وفائدة اخباره بهذه الاخبار بيان انه رسول الثقلين والنهى عن الشرك والحث على التوحيد فان الجن مع تمردهم وعدم مجانستهم إذا آمنوا فكيف لا يؤمن البشر مع سهولة طبعهم ومجانستهم أَنَّهُ بالفتح لانه فاعل اوحى والضمير الشأن اى ان الشأن والحديث اسْتَمَعَ اى القرآن او طه او اقرأ وقد حذف لدلالة ما بعده عليه والاستماع بالفارسية نيوشيدن. والمستمع من كان قاصدا للسماع مصغيا اليه والسامع من اتفق سماعه من غير قصد اليه فكل مستمع سامع من غير عكس نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ جماعة منهم ما بين الثلاثة والعشرة وبالفارسية كروهى كه از ده كمتر واز سه بيشتر بودند.
قال فى القاموس النفر ما دون العشرة من الرجال كالنفير والجمع انفار وفى المفردات النفر عدة رجال يمكنهم النفر الى الحرب بالفارسية بيرون شدن. والجن واحده جنى كروم ورومى ونحوه قال ابن عباس رضى الله عنهما انطلق رسول الله عليه السلام فى طائفة من أصحابه الى سوق عكاظ فأدركهم وقت صلاة الفجر وهم ننحلة فأخذ هو عليه السلام يصلى بأصحابه صلاة الفجر فمر عليهم نفر من الجن وهم فى الصلاة فلما سمعوا القرآن استمعوا له وفيه دليل على انه عليه السلام لم ير الجن حينئذ إذ لو رأهم لما أسند معرفة هذه الواقعة الى الوحى فان ما عرف بالمشاهدة لا يستند إثباته الى الوحى وكذا لم يشعر بحضورهم وباستماعهم ولم يقرأ عليهم وانما اتفق حضورهم فى بعض اوقات قراءته فسمعوها فأخبره الله بذلك وقد مضى ما فيه من التفصيل فى سورة الأحقاف فلا نعيده والجن أجسام رقاق فى صورة تخالف صورة الملك والانس عاقلة كالانس خفية عن أبصارهم لا يظهرون لهم ولا يكلمونهم الا صاحب معجزة بل يوسوسون سائر الناس يغلب عليهم النارية او الهوائية ويدل على الاول مثل قوله تعالى وخلق الجان من مارج نار فان المشهور ان المركبات كلها من العناصر فما يغلب فيه النار فنارى كالجن وما يغلب فيه الهولء فهوائى كالطير وما يغلب فيه الماء فمائى كالسمك وما يغلب فيه التراب فترابى كالانسان وسائر الحيوانات الارضية واكثر الفلاسفة ينكرون وجود الجن فى الخارج واعترف به جمع عظيم من قدمائهم وكذا جمهور أرباب الملل المصدقين بالأنبياء قال القاشاني ان فى الوجود نفوسا ارضية قوية لا فى غلظ النفوس السبعية والبهيمية وكثافتها وقلة إدراكها ولا على هيئات النفوس الانسانية واستعداداتها ليلزم تعلقها بالاجرام الكثيفة الغالب عليها الارضية ولا فى صفاء النفوس المجردة ولطافتها لنتصل بالعالم الطوى وتتجرد او تتعلق ببعض الاجرام السماوية متعلقة بأجرام عنصرية لطيفة غلبت عليها الهوائية او النارية او الدخانية على اختلاف أحوالها سماها بعض الحكماء الصور المعلقة ولها علوم وإدراكات من جنس علومنا وادراكاتنا ولما كانت قريبة الطبع الى الملكوت السماوي

صفحة رقم 188

نشرك بالواو مع ان الظاهر الفاء وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا بالفتح وكذا ما بعده من الجمل المصدرة بأن فى أحد عشر موضعا عطف على انه استمع فيكون من جملة الكلام الموحى به على ان الموحى عين عبارة الجن بطريق الحكاية كأنه قيل قل اوحى الى كيت وكيت وهذه العبارات فاندفع ما قيل من انك لو عطفت وانا ظننا وانا سمعنا وانه كان رجال وانا لمسنا وشبه ذلك على أنه استمع لم يجز لانه ليس مما اوحى اليه وانما هو امر أخبروا به عن أنفسهم انتهى ومن قرأ بالكسر عطف على المحكي بعد القول وهو الأظهر لوضوح اندراج الكل تحت القول وقيل فى الفتح والكسر غير ذلك والأقرب ما قلناه والمعنى وان الشأن ارتفع عظمة ربنا كما تقول فى الثناء وتعالى جدك اى ارتفع عظمتك وفى اسناد التعالي الى العظمة مبالغة لا تخفى من قولهم جد فلان فى؟؟؟ غنى اى عظم تمكنه او سلطانه لان الملك والسلطنة غاية العظمة او غناه على انه مستعار من الجد الذي هو البخت والدولة والحظوظ الدنيوية سوآء استعمل بمعنى الملك والسلطان او بمعنى الغنى فان الجد فى اللغة كما يكون بمعنى العظمة وبمعنى أب الأب وأب الام يكون بمعنى الحظ والبخت يقال رجل مجدود اى محظوظ شبه سلطان الله وغناء الذاتيان الازليان ببخت الملوك والأغنياء فأطلق اسم الجد عليه استعارة مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً بيان لحكم تعالى جده كأنه قيل ما الذي تعالى عنه فقيل ما اتخذ أي لم يختر لنفسه لكمال تعاليه زوجة ولا بنتا كما يقول الظالمون وذلك انهم لما سمعوا القرآن ووفقوا للتوحيد والايمان تنبهوا للخطأ فيما اعتقده كفرة الجن من تشبيه الله بحلقه فى اتخاذ الصاحبة والولد فاستعظموه ونزهوه تعالى عنه لعظمتة ولسلطانه او لغناه فان الصاحبة تتخذ للحاجة إليها والولد للتكثير وابقاء النسل بعد فوته وهذه من لوازم الإمكان والحدوث وايضا هو خارج عن دائرة التصور ولادراك فكيف يكيفه أحد فيدخله تحت جنس حتى يتخذ صاحبة من صنف تحته او ولدا من نوع يماثله وقد قالت النصارى ايضا المسيح ابن الله واليهود عزيز ابن الله وبعض مشركى العرب الملائكة بنات الله ويلزم من كون المسيح ابن الله على ما زعموا ان تكون مريم صاحبة له ولذا ذكر الصاحبة يعنى ان الولد يقتضى الام التي هى صاحبة الأب الوالد وأشار بالصاحبة الى النفس وبالولد الى القلب فيكون الروح كالزوج والأب لهما وهو فى الحقيقة مجرد عن كل علاقة وانما تعلق بالبدن لتظهر قدرة الله وايضا ليستكمل ذاته من جهة الصفات وَأَنَّهُ اى الشان كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا اى جاهلنا وهو إبليس او مردة الحن فقوله سفيهنا للجنس والظاهر ان يكون إبليس من الجن كما قال تعالى كان من الجن ففسق عن امر ربه والسفه خفة الحلم او نقيضه او الجهال كما فى القاموس وقال الراغب السفه خفة فى البدن واستعمل فى خفة النفس لنقصان العقل وفى الأمور الدنيوية والاخروية والمراد به فى الآية هو السفه فى الدين الذي هو السفه الأخروي كذا فى المفردات عَلَى اللَّهِ متعلق بيقول أورد على لان ما قالوه عليه تعالى لاله شَطَطاً هو مجاوزة الحد فى الظلم وغيره وفى المفردات الافراط فى البعد اى قولا ذا شطط اى بعد عن القصد ومجاوزة الحد أو هو شطط فى نفسه لفرط بعده عن الحق فوصف بالمصدر للمبالغة والمراد به نسبة الصاحبة والولد اليه تعالى وفى الآية اشارة الى

صفحة رقم 190

روح البيان

عرض الكتاب
المؤلف

إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء

الناشر دار الفكر - بيروت
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية