ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺ

وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ الإنس قالا : لأنه من الوحي، وكسرا ما بقي لأنه من كلام الجنّ. وقرأ الجمهور : وأنه لما قام عبد الله [ الجن : ١٩ ] بالفتح، لأنه معطوف على قوله : أَنَّهُ استمع . وقرأ نافع وابن عامر وشيبة وزرّ بن حبيش وأبو بكر والمفضل عن عاصم بالكسر في هذا الموضع عطفاً على فآمنا به بذلك التقدير السابق، واتفقوا على الفتح في أَنَّهُ استمع كما اتفقوا على الفتح في أنّ المساجد [ الجن : ١٨ ] وفي وَأِن لو استقاموا [ الجن : ١٦ ] واتفقوا على الكسر في : فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا و قُلْ إِنَّمَا ادعوا رَبّي [ الجن : ٢٠ ] و : قُلْ إِنْ أَدْرِى [ الجن : ٢٥ ] و قُلْ إِنّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ [ الجن : ٢١ ]. والجدّ عند أهل اللغة العظمة والجلال، يقال : جدّ في عيني : أي عظم، فالمعنى : ارتفع عظمة ربنا وجلاله، وبه قال عكرمة ومجاهد وقال الحسن : المراد تعالى غناه، ومنه قيل للحظ، جدّ : ورجل مجدود : أي محظوظ، وفي الحديث :«ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ » قال أبو عبيد، والخليل : أي لا ينفع ذا الغنى منك الغنى : أي إنما تنفعه الطاعة، وقال القرطبي والضحاك : جدّه آلاؤه، ونعمه على خلقه. وقال أبو عبيدة والأخفش : ملكه وسلطانه. وقال السديّ : أمره. وقال سعيد بن جبير : وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبّنَا أي تعالى ربنا وقيل : جدّه قدرته. وقال محمد بن عليّ بن الحسين وابنه جعفر الصادق والربيع بن أنس : ليس لله جدّ، وإنما قالته الجنّ للجهالة. قرأ الجمهور :«جَدّ » بفتح الجيم، وقرأ عكرمة وأبو حيوة ومحمد بن السميفع بكسر الجيم، وهو ضدّ الهزل، وقرأ أبو الأشهب :«جدي ربنا » : أي جدواه ومنفعته. وروي عن عكرمة أيضاً أنه قرأ بتنوين ( جدّ ) ورفع ( ربنا ) على أنه بدل من جدّ مَا اتخذ صاحبة وَلاَ وَلَداً هذا بيان لتعالى جدّه سبحانه. قال الزجاج : تعالى جلال ربنا وعظمته عن أن يتخذ صاحبة أو ولداً، وكأن الجن نبهوا بهذا على خطأ الكفار الذين ينسبون إلى الله الصاحبة والولد، ونزّهوا الله سبحانه عنهما. وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى الله شَطَطاً الضمير في أنه للحديث، أو الأمر، وسفيهنا يجوز أن يكون اسم كان، و يقول الخبر، ويجوز أن يكون سفيهنا فاعل يقول، والجملة خبر كان، واسمها ضمير يرجع إلى الحديث، أو الأمر، ويجوز أن تكون كان زائدة، ومرادهم بسفيههم عصاتهم ومشركوهم. وقال مجاهد وابن جريج وقتادة : أرادوا به إبليس، والشطط : الغلوّ في الكفر. وقال أبو مالك : الجور، وقال الكلبي : الكذب، وأصله البعد عن القصد ومجاوزة الحدّ، ومنه قول الشاعر :

بأية حال حكموا فيك فاشتطوا وما ذاك إلاّ حيث يممك الوخط
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن ابن عباس قال : انطلق النبيّ صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا : ما لكم ؟ فقالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا : ما حال بينكم وبين خبر السماء إلاّ شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، لتعرفوا ما هذا الأمر الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له قالوا : هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهناك حين رجعوا إلى قومهم فَقَالُواْ يا قومنا قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ يَهْدِى إِلَى الرشد فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبّنَا أَحَداً فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مّنَ الجن وإنما أوحي إليه قول الجنّ. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مّنَ الجن قال : كانوا من جنّ نصيبين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبّنَا قال : آلاؤه وعظمته. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال : أمره وقدرته. وأخرج ابن مردويه، والديلمي، قال السيوطي بسندٍ واهٍ عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً في قوله : وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا قال : إبليس. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والعقيلي في الضعفاء، والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه وابن عساكر عن عكرمة بن أبي السائب الأنصاري قال : خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة، وذلك أوّل ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب، فأخذ حملاً من الغنم، فوثب الراعي فقال : يا عامر الوادي أنا جارك، فنادى منادٍ يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم وأنزل الله على رسوله بمكة وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ الجن الآية. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : فَزَادوهُمْ رَهَقاً قال : إثماً. وأخرج ابن مردويه عنه قال : كان القوم في الجاهلية إذا نزلوا بالوادي قالوا : نعوذ بسيد هذا الوادي من شرّ ما فيه، فلا يكون بشيء أشدّ ولعاً منهم بهم، فذلك قوله : فَزَادوهُمْ رَهَقاً . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال : كانت الشياطين لهم مقاعد في السماء يسمعون فيها الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعاً، فأما الكلمة فتكون حقاً، وأما ما زادوا فيكون باطلاً، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك. فقال لهم : ما هذا إلاّ من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يصلي بين جبلين بمكة، فأتوه فأخبروه، فقال : هذا الحدث الذي حدث في الأرض. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله : وَأَنَّا مِنَّا الصالحون وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ يقول : منا المسلم ومنا المشرك، و كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً أهواء شتى. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً قال : لا يخاف نقصاً من حسناته ولا زيادة في سيئاته.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية