١٢٧٢- ما معنى الجعل في الموضعين ؟ وهل هو واحد أو مختلف ؟ وما معنى الصحبة هاهنا ؟ وكيف تكون العدة فتنة ؟ وما المستثنى والمستثنى منه في الموضعين ؟
والجواب : قال أبو علي الفارسي : جعل لها خمسة معان :
المعنى الأول : صبر، نحو قوله تعالى : وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا ١.
وضابطه انتقال الحقيقة إلى صفة زائدة على ذاتها، كجعل الطين خزفا.
والمعنى الثاني : سمي، كقوله تعالى : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمان إناثا ٢ أي : سموهم، إذ لا قدرة لهم على التصرف في ذوات الملائكة، فلم يبق إلا التسمية.
والثالث : جعل بمعنى خلق، وهو يتعدى على مفعول واحد بخلاف الأولين، كقوله تعالى : وجعل الظلمات والنور ٣ أي : خلقهما.
وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ٤ أي : لم يشرع.
والرابع : بمعنى دخل في الفعل، نحو : " جعل زيد يقوم " أي : شرع في القيام.
والخامس : بمعنى ألقى، تقول : " جعلت متاعك بعضه على بعض "، أي : ألقيت بعضه على بعض. فالمناسب للآية أن يكون " جعل " من باب فعل، أي : ما خلقنا أصحاب النار إلا ملائكة وفائدة هذا الإخبار الرد على المشركين، لما سمعوا أن عليها تسعة عشر استهزؤوا بذلك وقالوا هذا العدد لا يغلبنا، فأخبر الله تعالى أنه خلقهم ملائكة لا يقدر البشر على رؤيتهم، فضلا عن مقابلتهم. وكذلك جعل الثاني بمعنى فعل ويكون المعنى : " وما ذكرنا عدتهم إلا فتنة "، فالجعلان واحد. وأما الصحبة هاهنا فهي الملازمة لا المصادقة، ولذلك قيل للمعذبين أنهم أصحاب النار، لأجل الملازمة.
وأما العدة تكون فتنة، فمعناه : اختبار أهل يستهزئ بها الكفار أم لا ؟
والمستثنى منه في الموضعين مختلف. ففي الأول : من الصفات ؛ أي : لم يخلقهم في صفة الجان لا الإنس، في صفة أخرى هي صفة الملائكة. فكل صفة منفية إلا صفة الملائكة.
وأما المستثنى منه في الثاني : فهو مفعول من أجله لا من الصفات والأحوال والمعنى : ما ذكرنا العدة لمعنى لا من المعاني ولا لسبب من الأسباب إلا لسبب الفتنة والاختبار. فالمستثنى والمستثنى منه في الموضعين مختلف. ( الاستغناء : ٢٤٥-٢٤٦ )
٢ - سورة الزخرف : ١٨..
٣ - سورة الأنعام : ١..
٤ - سورة المائدة : ١٠٣..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي