ثم ذكر حكمة جعل الخزنة تسعة عشر، فقال :
وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِيمَاناً وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ * كَلاَّ وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ * إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيراً لِّلْبَشَرِ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ .
يقول الحق جلّ جلاله : وما جعلنا أصحابَ النار أي : خزنتها، المدبّرين لها، القائمين بتعذيب أهلها، إِلاَّ ملائكةً لأنهم خلاف جنس المعذّبين، فلا تأخذهم الرأفة والرقّة، ولأنهم أشد الخلقِ بأساً، فللواحد منهم قوة الثقلين، ونَعَتهم صلى الله عليه وسلم فقال :" كَأَنَّ أعْيُنَهُمُ البَرقُ، وكأنَّ أفْواهَهم الصَّيَاصي، يَجرُّون أشعَارَهم، لأحدِهم قوةُ الثَّقَلَيْنِ، يَسوقُ أحدُهُم الأُمَّةَ، وعَلَى رَقَبَتِهِ جَبَلٌ، فَيَرْمِيهم في النَّارِ، ويَرْمي الجبلَ عَلَيْهم " ١ وفي رواية :" بيد كُلِّ واحدٍ منهم مِرْزَبَّة مِن حَديدٍ " وفي رواية عن كعب :" مَعَ كُلِّ واحد مِنْهم عَمودٌ وشعبتَان يَدْفع به الدَّفَع يصرع به في النَّارٍ سَبعمَائَة أَلْفٍ، وبَيْن مِنْكَبَي الخازِنِ مِن خزَنَتِها مسيرةُ مَائةِ سَنَة ". وفي حديث آخر :" ما بَيْن منكبي أَحَدهِم كَما بَيْن المشرقِ والمغرب، وليس في قلوبِهِمْ رَحْمَةٌ، يَضْربُ أحدُهم الرجلَ ضَربةً، فيتْركه طَحيناً من لَدُن قَرْنِه إلى قَدَمِهِ ". وعن كعب :" يؤمر بالرجل إلى النار، فيبتدره مائة ألف ملك ". قال القرطبي : المراد بقوله : عليها تسعة عشر رؤساؤهم، وأما جملة الخزنة فلا يعلم عددهم إلا الله تعالى. انظر البدور السافرة.
رُوي أنه لمّا نزل قوله تعالى : عليها تسعة عشر قال أبو جهل : أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم، وأنتم ألدَّهم، أي : الشجعان ؟ فقال أبو الأشد بن كلدة الجمحي وكان شديد البطش : أنا أكفيكم سبعة عشر، اكفوني أنتم اثنين، فنزلت الآية، أي : وما جعلناهم رجالاً من جنسكم يُطاقون.
وما جعلنا عِدَّتهم تسعة عشر إِلا فتنةً أي : ابتلاء واختباراً للذين كفروا حتى قال أبو جهل ما قال، أي : وما جعلنا هذا العدد إلاّ سبب افتتانهم، فعبّر بالأثر عن المؤثّر، وليس المراد جعل ذلك العدد في نفس الأمر فتنة ؛ بل جعله في القرآن أيضاً كذلك، وهو الحُكم بأنّ عليها تسعة عشر، إذ بذلك يتحقق افتتانهم، وعليه يدور ما سيأتي من استيقان أهل الكتاب، وازدياد المؤمنين إيماناً. انظر أبا السعود. وقالوا في تخصيص الخزنة بهذا العدد مع أنّه لا يطلب في الأعداد العلل : أنّ ستة منهم يقودون الكفرة إلى النار، وستة منهم يسوقونهم، وستة يضربونهم بمقامع من الحديد، والآخر خازن جهنّم، وهو مالك، وهو الأكبر. وقيل : في النار تسعة عشر دركاً، قد سلّط على كل درك مَلك، وقيل يُعذبون فيها بتسعة عشر لوناً من العذاب، وعلى كل لون ملك موكّل، وقيل غير ذلك.
لِيستيقنَ الذين أُوتوا الكتاب ، لأنَّ عدتهم تسعة عشر في الكتابَيْن، فإذا سمعوا مثلها في القرآن تيقّنوا أنه مُنزَّل من عند الله، وهو متعلق بالجعل المذكور، أي : جعلناهم كذلك ليكتسبوا اليقين بنبوته صلى الله عليه وسلم، وصِدْقِ القرآن، لموافقته لِما في كتبهم، ويزداد الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم إِيماناً لتصديقهم بذلك، كما صدّقوا بسائر ما أُنزل، فيزيدون إيماناً مع إيمانهم الحاصل، أو : يزداد إيمانهم تيقُّناً ؛ لما رأوا من تسليم أهل الكتاب وتصديقهم، ولا يرتابَ الذي أوتوا الكتاب والمؤمنون ، تأكيد لِما قبله من الاستيقان وازدياد الإيمان، ونفي لما قد يعتري المستيقن من شُبهة ما، وإنما لم ينظم المؤمنين في سلك أهل الكتاب في الارتياب، حيث لم يقل : ولا يرتابوا ؛ للتنبيه على تباين النفيين حالاً، فإنَّ انتفاء الارتياب عن أهل الكتاب مما ينافيه لِما فيه من الجحود، وعن المؤمنين لما يقتضيه من الإيمان، وكم بينهما ؟ والتعبير عنهم باسم الفاعل بعد ذكرهم بالموصول والصلة الفعلية المُنبئة عن الحدث ؛ للإيذان بثباتهم على الإيمان بعد ازدياده ورسوخهم في ذلك. قاله أبو السعود.
وعطف على يستيقن أيضاً قولَه : ولِيقولَ الذين في قلوبهم مرض ؛ شك ؛ لأنَّ أهل مكة كان أكثرهم شاكين، أو : نِفاق، فيكون إخباراً بما سيكون بالمدينة بعد الهجرة، والكافرون ؛ المشركون بمكة، المُصرُّون على الكفر : ماذا أراد اللهُ بهذا مثلاً ؟ أي : أيُّ شيءٍ أراد بهذا العدد المستغرَب استغراب المثل ؟ وقيل : لمّا استبعدوه حسبوا أنه مَثَل مكذوب، أو : أيُّ حكمة في جعل الملائكة تسعة عشر، لا أكثر أو أقل ؟ وإيراد قولهم هذا بالتعليل، مع كونه من باب فتنتهم ؛ للإشعار باستقلاله بالبشاعة. و " مثلاُ " : تمييز، أو حال، كقوله : هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً [ الأعراف : ٧٣ ]. كذلك يُضل اللهُ مَن يشاء ويهدي مَن يشاء أي : مثل ذلك الضلال وتلك الهداية يُضل الله مَن يشاء إضلاله، بصرف اختياره إلى جانب الضلال عند مشاهدته لآيات الله الناطقة بالحق، ويهدي مَن يشاء هدايته بصرف اختياره عند مشاهدته تلك الآيات إلى جانب الهُدى، فمحل الكاف النصب على أنها صفة لمصدر محذوف، أي : يُضل مَن يشاء ويهدي مَن يشاء، إضلالاً وهدايةً كائنين مثل ما ذكر من الإضلال والهداية.
وما يعلمُ جنودَ ربك أي : جموع خلقه، التي من جملتها الملائكة المذكورون، إلاّ هو ، إذ لا سبيل لأحد إلى حصر مخلوقاته، والوقوف على حقائقها وصفتها، ولو إجمالاً، فضلاً عن الاطلاع على تفاصيل أحوالها، من كَم وكيف ونسبة، فلا يَعِز عليه جعلُ الخزنة أكثر مما هو عليه، ولكن في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها، وما هي إِلاّ ذِكرَى للبشر هذا متصل بوصف سقر، أي : ما سقر وصفتها إلاّ تذكرة للبشر ؛ لينزجروا عن القبائح.
ثم حذَّر من سَقَر الحظوظ، والسقوط في مهاوي اللحوظ، وأقسم أنها من الدواهي الكُبَر لِمن ابتُلي بها، حتى سقط في الحضيض الأسفل من الناس، فمَن شاء فليتقدّم إلينا بالهروب منها، ومَن شاء فليتأخر بالسقوط فيها، والغرق في بحرها. والعياذ بالله.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي