بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً ( ٥٢ ) كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ ( ٥٣ ) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ( ٥٤ ) فَمَن شَاء ذَكَرَهُ ( ٥٥ ) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَة( ٥٦ ) [ ٥٢- ٥٦ ].
والآيات استمرار للسياق وتعقيب استدراكي وتنديدي عليه.
وقد تلهم الآية الأولى أن الكفار تحدوا النبي صلى الله عليه وسلم بإنزال صحف مكتوبة على كل منهم ؛ لتكون برهانا على صحة دعواه ودعوته، كما تحتمل أن تكون في معرض التنديد بشدة عنادهم، حتى لكأنهم يريدون ليؤمنوا ويصدقوا أن ينزل على كل منهم كتاب خاص من السماء١. وقد روى بعض المفسرين٢ أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم :( إن سرك أن نتبعك فأتنا بكتاب خاصة إلى فلان وفلان نؤمر فيه باتباعك ) كما روى بعضهم أنهم قالوا له :( ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله أنك رسوله نؤمر فيه باتباعك )٣. ولقد حكت إحدى آيات سورة الإسراء ذلك عنهم فعلاً في مناسبة أخرى كما ترى فيها : أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً( ٩٣ ) .
والآية الثانية احتوت تقريراً لواقع الحال من أمرهم وسبب عدم استجابتهم بأسلوب الزجر والاستدراك وهو عدم خوفهم من الآخرة وجحودهم بها، وتلهم أنها بسبيل تسلية النبي صلى الله عليه وسلم.
والآيتان الثالثة والرابعة احتوتا رداً على تحديهم وشدة عنادهم في صورة تقرير لمهمة النبي صلى الله عليه وسلم التي هي تذكير وتبليغ للناس، ثم تركهم لاختيارهم ومشيئتهم في الاستجابة إليها.
أما الآية الخامسة فإنها احتوت تقريراً بأن مشيئة الناس في التذكر والاستجابة منوطة بمشيئة الله الذي هو الجدير بالاتقاء والخشية والذي هو القادر على العفو والمغفرة.
ولقد روى الترمذي في سياق الآية الأخيرة حديثا عن أنس بن مالك قال :( قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية هو أهل التقوى وأهل المغفرة قال : قال الله عزّ وجلّ : أنا أهل أن أتّقى فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها، فأنا أهلٌ أن أغفرَ له )٤.
حيث ينطوي في الحديث توضيح فيه تبشير وترغيب للمتقين.
تعليق على تعبير
وما يذكرون إلا أن يشاء الله
ولقد يبدو فيما جاء في الآية الخامسة من إناطة تذكر الناس بمشيئة الله نقض أو تحديد لما جاء في الآية [ ٣٧ ] من تقرير المشيئة للناس إطلاقاً. ولقد قال بعض العلماء والمفسرين : إن هذه الآية وما في بابها مثل آية سورة الإنسان هذه : وما تشاءون إلا أن يشاء الله بسبيل تقرير أن الناس إنما يشاءون بقوة المشيئة التي خلقها الله فيهم. وقال آخرون : إن إناطة مشيئة الناس بمشيئة الله تعالى السابقة على مشيئتهم تعني مفهومها الظاهر إطلاقاً فلا يشاءون إلاّ ما شاء الله١. وقد كانت هذه الآية وما يماثلها مدار جدل بين علماء المذاهب الكلامية بسبب ما يبدو من التعارض بينها وبين الآيات الأخرى التي تقرر قابلية الاختيار والمشيئة في الناس إطلاقاً.
ونقول أولا : إن النظم القرآني جرى أحياناً على نسبة كل شيء من أفعال العباد الواقعة أو المتوقعة إلى الله تعالى، وعلى جعل كل شي منها منوطاً بمشيئته مع قيام قرائن في الآيات نفسها أو في غيرها، على أنها من كسب العباد ومشيئتهم المباشرة فيما يترافق معها أو يترتب عليها من تثريب وتنديد ووعيد لما يكون ضلالات وانحرافات وتنويه ووعد جميل لما يكون استقامة وحقاً وهدى. غير أنه جرى أيضا وفي الأعم الأغلب على نسبة الأفعال والمشيئة إلى العباد مما هو مثبوت في مختلف السور بكثرة تغني عن التمثيل بحيث يسوغ القول : إن الأسلوب الأول ينبغي أن يؤول على ضوء ما فيه وما في القرآن من قرائن ولا يصح أن يوقف عند كل عبارة لحدتها ؛ لأن في ذلك تعريضاً للقرآن للتعارض والاختلاف مما يجب تنزيهه عن ذلك، ولاسيما إن في القرآن حلاً لما يبدو من توهم في ذلك على ما شرحناه في سياق جملة كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء [ ٣١ ] وإن القول إن الناس يشاءون بقوة المشيئة التي أودعها الله فيهم هو المتسق مع تقرير المشيئة للعباد وتقرير قابلية الاختيار والكسب فيهم مما انطوى في الآيات السابقة وآيات كثيرة أخرى، وهو المتسق مع روح الآية نفسها التي جاءت بعد الآية التي تقرر المشيئة للناس مباشرة. ثم هو المتسق مع حكمة إرسال الرسل ويوم الجزاء الذي يوفى فيه الناس جزاء أعمالهم التي اكتسبوها بقوة هذه المشيئة والقابلية للاختيار والكسب التي أودعها الله فيهم بمقتضى إرادته وحكمته ومشيئته الأزلية. وعبارة الآيات ومعظم آيات القرآن التي تُنسب الأفعال والتفكير للإنسان من الأدلة التي تكاد تكون حاسمة على ذلك. ويتبادر لنا إلى هذا أنه أُريد بالآية تسلية النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يغتم بموقف الإعراض والعناد والمناوأة والتكذيب الذي وقفه الجاحدون. وقد تكرر مثل ذلك في مواضع كثيرة في القرآن مثل آية سورة فاطر هذه : أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ( ٨ ) ، وآية القصص هذه : إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ( ٥٦ ) وآية سورة الأنعام هذه : وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ( ٣٥ ) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ( ٣٦ ) بحيث تبدو بذلك حكمة التنزيل في الأسلوب. ويلحظ أن الآيات نسبت اكتساب الهدى والاستجابة إلى أصحابها مما قد يكون فيه دليل على صحة تأويلنا، والله أعلم.
بالآيات وأجوبة القرآن على ذلك ودلالتها
ولقد تكررت حكاية القرآن لصور عديدة من تحدي الجاحدين ومعجزاتهم، والآية [ ٥٢ ] من هذه الآيات احتوت أولى مرات التحدي- إذا صحت روايات المفسرين- وليس ما يمنع صحتها، لأن الصورة مؤيدة بنص قرآني آخر على ما أوردناه قبل، وذلك بطلب الكفار إنزال كتب إليهم فيها تأييد لصحة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأمر باتباعه. وقد وردت الآيات التالية عليهم، فبينت أن موقفهم هو في حقيقته راجع إلى عدم خوفهم من الآخرة، وأن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن الذي يتلوه عليهم تذكرة فمن شاء تذكر واهتدى. ولم تجبهم إلى تحديهم. ولقد ظلت آيات القرآن ترد عليهم في كل موقف تحدّ وقفوه، وكل ما طالبوا ببرهان خارق للعادة مما عبر عنه القرآن بتعبير آية أو آيات بمثل ما ردت عليهم في هذه الآيات من حيث الجوهر، مع تنوع الصيغ والأساليب دون الاستجابة إلى تحديهم، موجهة الخطاب إلى العقول لتتدبر وإلى القلوب لترعوي، ومقررة صراحة حيناً وضمناً حيناً أن الدعوة النبوية إنما هي دعوة إلى الله وحده والإقرار له بالعبودية ونبذ ما سواه والتزام الأعمال الصالحة، وتحذير من الكفر والشرك والإثم والفواحش، وأن مثل هذه الدعوة لا تحتاج إلى معجزات مؤيدة، وإنما تحتاج إلى تروّ وإذعان ونية حسنة وطوية نقية ورغبة في الحق والخير والهدى وبعد عن العناد واللجاج، ليرى المرء البرهان على صحتها وقوتها في الكون وما فيه من آيات باهرة وحكمة بالغة ونواميس دقيقة، وفيما تدعو إليه من مكارم الأخلاق والفضائل، وتنهى عنه من الإثم والبغي والفواحش كما تلهم آيات سورة الأنعام هذه : وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ ( ٨ ) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ( ٩ ) وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ( ١٠ ) ( ٨- ١٠ ) ومثل آيات سورة الأنعام هذه : وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ( ١٠٩ ) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ( ١١٠ ) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ( ١١١ ) . وآيات سورة الرعد هذه : وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ( ٧ ) وآية سورة الرعد هذه : و َيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ( ٢٧ ) وآيات سورة الإسراء هذه : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا( ٩٠ ) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا ( ٩١ ) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً ( ٩٢ ) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً ( ٩٣ ) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً ( ٩٤ ) قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً ( ٩٥ ) قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ( ٩٦ ) وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ( ٩٧ ) وآيات سورة العنكبوت هذه : وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ( ٥٠ ) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( ٥١ ) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ( ٥٢ ) [ ٥٠- ٥٢ ].
وهذه الردود القوية على تحدي الكفار هي بسبيل تقرير أن الدعوة إلى الله ومكارم الأخلاق لا تحتاج إلى معجزات، وأن الذين حسنت طواياهم ونواياهم وصدقت رغباتهم في الحق والحقيقة آمنوا، ففيها ما يكفي لحملهم على الارعواء والاستجابة، أما الذين خبثت نواياهم وانعدمت فيهم الرغبة في الحق والحقيقة فلن يؤمنوا مهما رأوا من الآيات والمعجزات. ولئن لم يكن بدّ من آية فهي القرآن الذي يتلى عليهم وفيه الكفاية كل الكفاية. وهكذا تنفرد الدعوة القرآنية والرسالة المحمدية عما سبقها، من حيث إنها لم تقم على الخوارق استجابة للتحدي، وإنما قامت خطاب العقل والقلب والبرهنة بما في الكون من إبداع ونظام وعظمة يدل على وجود الله عز وجل واستحقاقه وحده للخضوع والعبادة والاتجاه وبطلان الشرك والوثنية والعقائد المتناقضة مع ذلك هم بما انطوى في هذه الدعوة من مبادئ الحق والخير والبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحلال الطيبات وتحريم الخبائث والفواحش والآثام ما ظهر منها وما بطن والحثّ على التضامن والتعاون ومنع الاستعلاء والاستغلال وإقامة مجتمع إنساني عام يتساوى فيه الناس في الحقوق والواجبات، ويتكافلون فيها ويسود فيه الحق والعدل والحرية والمعروف والخير.
ولعل مما يحسن أن يضاف إلى هذا من حكمة الله في عدم الاستجابة إلى تحدي الكفار : أن الأنبياء السابقين قد جاؤوا لقومهم، وأن المعجزات التي أظهرها الله على أيديهم هي لإقناع جيل هذا القوم الذي كانت رسالة الأنبياء لهم في حين أن الله سبحانه قد شاء أن تكون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لجميع الأجيال ودين الإنسانية العام في جميع الأزمنة والأمكنة. وهو ما انطوى في آيات عديدة أوردنا بعضها في تعليقنا على جملة رب العالمين في سياق تفسير سورة الفاتحة، وفي هذا لا تغني المعجزة لأنها دائمة الأثر. وقد تنكر من الأجيال الآتية فكان الإقناع وقوة البرهان ومخاطبة العقل والقلب والقرآن المجيد الذي ينطوي فيه كل ذلك بأروع وأقوى ما يكون هي الحجج المؤيدة لصدق الرسالة المحمدية التي تظل واردة وقائمة راهنة بكل قوتها في كل ظرف ومكان. ولقد جاء في سورة الإسراء هذه : وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ [ ٥٩ ] وهي عظيمة المدى والدلالة بسبيل ما نحن في صدده ؛ حيث تضمنت تقريراً ربانيًا صريحاً بأن الله عز وجل امتنع عن إظهار المعجزة على يد النبي صلى الله عليه وسلم إجابة على تحدي الكفار وتعليلاً لذلك بأن الأمم السابقة قد كذبت بالمعجزات التي أظهرها الله على أيدي أنبيائه السابقين ولم يتحقق المقصود منها.
ولقد روى البخاري ومسلم حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء فيه :( ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة ) حيث يتساوق الحديث مع التلقين القرآني بأن معجزة النبوة المحمدية هي ما أوحاه الله تعالى إلى النبي من قرآن وحكمة فيهما الهدى والرحمة وأسباب الصلاح والنجاة للبشر في دنياهم وآخرتهم.
ونريد أن ننبه إلى أمر، وهو أن ما قررناه استلهاماً من الآيات القرآنية هو بسبيل الردّ على تحدي الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم وطلبهم منه الإتيان بالمعجزات والخوارق لتأييد صلته بالله، وإننا لا ننكر أن الله عزّ وجلّ قد أظهر على يد النبي صلى الله عليه وسلم معجزات متنوعة الصور في ظروف كثيرة له خاصة وله وللمسلمين عامة على ما تدل عليه آيات قرآنية عديدة مما سوف ننوه به في مناسباته وعلى ما ورد في أحاديث عديدة قوية الأسانيد سنوردها في مناسبات آتية.
نقول ونحن نعرف أن هناك أحاديث قوية الأسانيد، بأن ما احتوته الآية الأولى من سورة القمر من انشقاق القمر بناء على تحدي الكفار قد وقع فعلاً. غير أن هناك ما يمكن إيراده في هذا الصدد على ما سوف نذكره في سياق تفسير هذه الآية.
تعليق على تحدي الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم
بالآيات وأجوبة القرآن على ذلك ودلالتها
ولقد تكررت حكاية القرآن لصور عديدة من تحدي الجاحدين ومعجزاتهم، والآية [ ٥٢ ] من هذه الآيات احتوت أولى مرات التحدي- إذا صحت روايات المفسرين- وليس ما يمنع صحتها، لأن الصورة مؤيدة بنص قرآني آخر على ما أوردناه قبل، وذلك بطلب الكفار إنزال كتب إليهم فيها تأييد لصحة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأمر باتباعه. وقد وردت الآيات التالية عليهم، فبينت أن موقفهم هو في حقيقته راجع إلى عدم خوفهم من الآخرة، وأن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن الذي يتلوه عليهم تذكرة فمن شاء تذكر واهتدى. ولم تجبهم إلى تحديهم. ولقد ظلت آيات القرآن ترد عليهم في كل موقف تحدّ وقفوه، وكل ما طالبوا ببرهان خارق للعادة مما عبر عنه القرآن بتعبير آية أو آيات بمثل ما ردت عليهم في هذه الآيات من حيث الجوهر، مع تنوع الصيغ والأساليب دون الاستجابة إلى تحديهم، موجهة الخطاب إلى العقول لتتدبر وإلى القلوب لترعوي، ومقررة صراحة حيناً وضمناً حيناً أن الدعوة النبوية إنما هي دعوة إلى الله وحده والإقرار له بالعبودية ونبذ ما سواه والتزام الأعمال الصالحة، وتحذير من الكفر والشرك والإثم والفواحش، وأن مثل هذه الدعوة لا تحتاج إلى معجزات مؤيدة، وإنما تحتاج إلى تروّ وإذعان ونية حسنة وطوية نقية ورغبة في الحق والخير والهدى وبعد عن العناد واللجاج، ليرى المرء البرهان على صحتها وقوتها في الكون وما فيه من آيات باهرة وحكمة بالغة ونواميس دقيقة، وفيما تدعو إليه من مكارم الأخلاق والفضائل، وتنهى عنه من الإثم والبغي والفواحش كما تلهم آيات سورة الأنعام هذه : وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ ( ٨ ) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ( ٩ ) وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ( ١٠ ) ( ٨- ١٠ ) ومثل آيات سورة الأنعام هذه : وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ( ١٠٩ ) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ( ١١٠ ) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ( ١١١ ) . وآيات سورة الرعد هذه : وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ( ٧ ) وآية سورة الرعد هذه : و َيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ( ٢٧ ) وآيات سورة الإسراء هذه : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا( ٩٠ ) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا ( ٩١ ) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً ( ٩٢ ) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً ( ٩٣ ) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً ( ٩٤ ) قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً ( ٩٥ ) قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ( ٩٦ ) وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ( ٩٧ ) وآيات سورة العنكبوت هذه : وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ( ٥٠ ) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( ٥١ ) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ( ٥٢ ) [ ٥٠- ٥٢ ].
وهذه الردود القوية على تحدي الكفار هي بسبيل تقرير أن الدعوة إلى الله ومكارم الأخلاق لا تحتاج إلى معجزات، وأن الذين حسنت طواياهم ونواياهم وصدقت رغباتهم في الحق والحقيقة آمنوا، ففيها ما يكفي لحملهم على الارعواء والاستجابة، أما الذين خبثت نواياهم وانعدمت فيهم الرغبة في الحق والحقيقة فلن يؤمنوا مهما رأوا من الآيات والمعجزات. ولئن لم يكن بدّ من آية فهي القرآن الذي يتلى عليهم وفيه الكفاية كل الكفاية. وهكذا تنفرد الدعوة القرآنية والرسالة المحمدية عما سبقها، من حيث إنها لم تقم على الخوارق استجابة للتحدي، وإنما قامت خطاب العقل والقلب والبرهنة بما في الكون من إبداع ونظام وعظمة يدل على وجود الله عز وجل واستحقاقه وحده للخضوع والعبادة والاتجاه وبطلان الشرك والوثنية والعقائد المتناقضة مع ذلك هم بما انطوى في هذه الدعوة من مبادئ الحق والخير والبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحلال الطيبات وتحريم الخبائث والفواحش والآثام ما ظهر منها وما بطن والحثّ على التضامن والتعاون ومنع الاستعلاء والاستغلال وإقامة مجتمع إنساني عام يتساوى فيه الناس في الحقوق والواجبات، ويتكافلون فيها ويسود فيه الحق والعدل والحرية والمعروف والخير.
ولعل مما يحسن أن يضاف إلى هذا من حكمة الله في عدم الاستجابة إلى تحدي الكفار : أن الأنبياء السابقين قد جاؤوا لقومهم، وأن المعجزات التي أظهرها الله على أيديهم هي لإقناع جيل هذا القوم الذي كانت رسالة الأنبياء لهم في حين أن الله سبحانه قد شاء أن تكون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لجميع الأجيال ودين الإنسانية العام في جميع الأزمنة والأمكنة. وهو ما انطوى في آيات عديدة أوردنا بعضها في تعليقنا على جملة رب العالمين في سياق تفسير سورة الفاتحة، وفي هذا لا تغني المعجزة لأنها دائمة الأثر. وقد تنكر من الأجيال الآتية فكان الإقناع وقوة البرهان ومخاطبة العقل والقلب والقرآن المجيد الذي ينطوي فيه كل ذلك بأروع وأقوى ما يكون هي الحجج المؤيدة لصدق الرسالة المحمدية التي تظل واردة وقائمة راهنة بكل قوتها في كل ظرف ومكان. ولقد جاء في سورة الإسراء هذه : وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ [ ٥٩ ] وهي عظيمة المدى والدلالة بسبيل ما نحن في صدده ؛ حيث تضمنت تقريراً ربانيًا صريحاً بأن الله عز وجل امتنع عن إظهار المعجزة على يد النبي صلى الله عليه وسلم إجابة على تحدي الكفار وتعليلاً لذلك بأن الأمم السابقة قد كذبت بالمعجزات التي أظهرها الله على أيدي أنبيائه السابقين ولم يتحقق المقصود منها.
ولقد روى البخاري ومسلم حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء فيه :( ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة ) حيث يتساوق الحديث مع التلقين القرآني بأن معجزة النبوة المحمدية هي ما أوحاه الله تعالى إلى النبي من قرآن وحكمة فيهما الهدى والرحمة وأسباب الصلاح والنجاة للبشر في دنياهم وآخرتهم.
ونريد أن ننبه إلى أمر، وهو أن ما قررناه استلهاماً من الآيات القرآنية هو بسبيل الردّ على تحدي الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم وطلبهم منه الإتيان بالمعجزات والخوارق لتأييد صلته بالله، وإننا لا ننكر أن الله عزّ وجلّ قد أظهر على يد النبي صلى الله عليه وسلم معجزات متنوعة الصور في ظروف كثيرة له خاصة وله وللمسلمين عامة على ما تدل عليه آيات قرآنية عديدة مما سوف ننوه به في مناسباته وعلى ما ورد في أحاديث عديدة قوية الأسانيد سنوردها في مناسبات آتية.
نقول ونحن نعرف أن هناك أحاديث قوية الأسانيد، بأن ما احتوته الآية الأولى من سورة القمر من انشقاق القمر بناء على تحدي الكفار قد وقع فعلاً. غير أن هناك ما يمكن إيراده في هذا الصدد على ما سوف نذكره في سياق تفسير هذه الآية.
التفسير الحديث
دروزة