قوله تعالى : فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الآخرة والأولى يجوز أن يكون مصدر الأخذِ، والتجوز إما في الفعل، أي : نكل بالأخذِ نكال الآخرة، وإما في المصدر، أي : أخذه أخذ نكالٍ، ويجوز أن يكون مفعولاً له، أي : لأجلِ نكالهِ، ويضعف جعله حالاً لتعريفه، وتأويله كتأويل جهدك وطاقتك، غير مقيس.
ويجوز أن يكون مصدراً مؤكِّداً لمضمون الجملة المتقدِّمة، أي : نكل الله [ به ] نكال الآخرة. قاله الزَّمخشريُّ(١)، وجعله كوعد الله، وصبغة الله.
وقال القرطبيُّ(٢) : وقيل : نُصِبَ بنَزْعِ حرف الصِّفة، أي : فأخذه الله بنكال الآخرة، فلمَّا نُزعَ الخافضُ نُصِبَ.
والنكال : اسم لما جعل نكالاً للغير، أي : عقوبة له حتى يعتبر، يقال : نَكَل فلانٌ بفلانِ، إذا ألحقهُ عُقوبة، والكلمة من الامتناع، ومنه النُّكُول عن اليمين، والنكل : القيد وقد مضى في سورة «المزمل »، والنكال : بمنزلة التنكيل، كالسلام بمعنى التسليم.
والآخرة والأولى : إمَّا الدَّاران وإمَّا الكلمتان والآخرة قوله :«أنَا ربُّكمُ الأعْلَى »، والأولى : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي [ القصص : ٣٨ ] كما تقدم فحذف الموصول للعلم به.
فصل في تفسير الآخرة والأولى
قيل : الآخرة والأولى : هما الكلمتان كما تقدَّم.
وقال الحسنُ وقتادةُ :«نكال الآخرة والأولى » : هو أن أغرقهُ في الدَّنيَا وعذّبه في الآخرة(٣).
وروي عن قتادة - أيضاً - : الآخرةُ قوله : أنَا ربُّكمُ الأعْلَى ، والأولى تكذيبه بموسى عليه الصلاة والسلام(٤).
قال القفال(٥) : وهذا كأنَّه هو الأظهرُ ؛ لأنَّه - تعالى - قال : فَأَرَاهُ الآية الكبرى فَكَذَّبَ وعصى ثُمَّ أَدْبَرَ يسعى فَحَشَرَ فنادى فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى فذكر القصتين، ثم قال : فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الآخرة والأولى .
فظهر أنَّ المراد : أنَّه عاقبه على هذين الأمرين.
٢ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٩/١٣٢..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٤٣٥)، عن قتادة وذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/١٩٨)..
٤ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٩/١٣٢) عن قتادة..
٥ ينظر: الفخر الرازي ٣١/٤٠..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود