ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ

إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ٩ وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم ١٠ إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ١١ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبّتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ١٢ ذلك بأنهم شاقّوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ١٣ ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار ١٤
روى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال : حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لما كان يوم بدر نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلا، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة فاستقبل نبي الله القبلة ثم مد يده وجعل يهتف بربه :( اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ) فما زال يهتف بربه مادّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر رضي الله عنه فأخذ رادءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل تعالى : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين فلما كان يومئذ والتقوا هزم الله المشركين فقتل منهم سبعون رجلا وأسر سبعون ) الخ١، وأما البخاري فروى عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ( اللهم أني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد ) فأخذ أبو بكر بيده فقال حسبك، فخرج وهو يقول : سيهزم الجمع ويولون الدبر [ القمر : ٤٥ ] ٢.
وعن سعيد بن منصور من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وتكاثرهم وإلى المسلمين فاستقلهم فركع ركعتين وقام أبو بكر عن يمينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في صلاته ( اللهم لا تودّع مني، اللهم لا تخذلني، اللهم لا تتركني اللهم أنشدك ما وعدتني ) وعن ابن إسحاق في سيرته أنه صلى الله عليه وسلم قال :( اللهم هذه قريش أتت بخيلائها وفخرها تحادّك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني ).
وقد استشكل ما ظهر من خوف النبي صلى الله عليه وسلم مع وعد الله له بالنصر عاما وخاصا ومن طمأنينة أبي بكر رضي الله عنه على خلاف ما كان ليلة الغار إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم آمنا مطمئنا متوكلا على ربه، وكان أبو بكر خائفا وجلا كما يدل عليه قوله عز وجل : إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيّده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم [ التوبة : ٤٠ ].
قال الحافظ في الفتح قال الخطابي لا يجوز أن يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحال، بل الحامل للنبي صلى الله عليه وسلم على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم لأنه كان أول مشهد شهده فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال لتسكن نفوسهم عند ذلك لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة فلما قال له أبو بكر ما قال كف عن ذلك وعلم أنه استجيب له لما وجد أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة فلهذا عقب بقوله : سيهزم الجمع انتهى ملخصا.
( وقال غيره وكان النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة في مقام الخوف وهو أكمل حالات الصلاة، وجاز عنده أن لا يقع النصر يومئذ لأن وعده بالنصر لم يكن معينا لتلك الواقعة وإنما كان مجملا. هذا الذي يظهر، وزل من لا علم عنده ممن ينسب إلى الصوفية في هذا الموضع زللا شديدا فلا يلتفت إليه ولعل الخطابي أشار إليه. اهـ ما أورده الحافظ في الفتح فهو لم يطلع على أحسن منه على سعة اطلاعه.
وأقول يصح أن يكون من مقاصده صلى الله عليه وسلم من الدعاء يومئذ تقوية قلوب أصحابه وهو ما يعبر عنه في عرف هذا العصر بالقوة المعنوية ولا خلاف بين العقلاء حتى اليوم في أنها أحد أسباب النصر والظفر، ولكن لا يصح أن يكون علم باستجابة الله له لما وجد أبو بكر في نفسه القوة والطمأنينة فعلمه صلى الله عليه وسلم بربه وبوقت استجابته له أقوى وأعلى من أن يستنبطه استنباطا من حال أبي بكر رضي الله عنه.
وأما قول بعضهم إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يومئذ في مقام الخوف فهو ظاهر ولكنه لم يبين معه سببه ولا كونه لا ينافي كمال توكله على ربه، وكونه فيه أعلى وأكمل من صاحبه بدرجات لا يعلوها شيء، وقد بينا ذلك بالتفصيل في تفسير إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون [ آل عمران : ١١٠ ] وهي في سياق غزوة أحد ونعيد البحث مع زيادة فائدة فنقول إنه صلى الله عليه وسلم أعطى كل مقام حقه بحسب الحال التي كان فيها، فلما كان عند الخروج إلى الهجرة قد عمل مع صاحبه كل ما أمكنهما من الأسباب لها وهو إعداد الزاد والراحلتين والدليل والاستخفاء في الغار لم يبق عليهما إلا التوكل على الله تعالى والثقة بمعونته وتخذيل أعدائه فكان صلى الله عليه وسلم لكمال توكله آمنا مطمئنا بما أنزل الله عليه من السكينة وأيده به من أرواح الملائكة، وأبو بكر رضي الله عنه لم يرتق إلى هذه الدرجة فكان خائفا حزينا محتاجا إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم له.
وأما يوم بدر فكان المقام فيه الخوف لا مقام التوكل المحض، وذلك أن التوكل الشرعي بالاستسلام لعناية الرب تعالى وحده إنما يصح في كل حال بعد اتخاذ الأسباب لها المعلومة من شرع الله ومن سننه في خلقه كما بيناه في تفسير قوله تعالى : فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله [ آل عمران : ١٥٩ ] من ذلك السياق ومن المعلوم بالقطع أن أسباب النصر والغلب في الحرب لم تكن تامة عند المسلمين في ذلك الوقت لا من الجهة المادية كالعدد والعدد والغذاء والعتاد والخيل والإبل بل لم يكن من هذه الجهة إلا شيئا ضعيفا، ولا من الجهة المعنوية لما تقدم من كراهة بعضهم للقتال وجدال النبي صلى الله عليه وسلم فيه. لهذا خشي صلى الله عليه وسلم أن يصيب أصحابه تهلكة على قلتهم لتقصيرهم في بعض الأسباب المعنوية فوق التقصير غير الاختياري في الأسباب المادية، فكان يدعو بأن لا يؤاخذهم الله تعالى بتقصير بعضهم في إقامة سننه عقابا لهم كما عاقبهم بعد ذلك في غزوة أحد ذلك العقاب المشار إليه بقوله تعالى : أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم [ آل عمران : ١٦٥ ].
وأما أبو بكر رضي الله عنه فلم يكن يعلم من ذلك كل ما يعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم وقد رآه منزعجا خائفا فكان همه تسليته صلى الله عليه وسلم وتذكيره بوعد ربه لشدة حبه له، وفي الغار كان خائفا عليه ولكنه رآه مطمئنا فلم يحتج إلى تسليته بل كان صلى الله عليه وسلم هو المسلي له لما رأى من خوفه أن يعرض له ألم أو أذى.
فالرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي أعطى كل مقام حقه : مقام التوكل المحض بعد استيفاء أسباب اتقاء أذى المشركين عند الهجرة، ومقام الخوف على جماعة المؤمنين لما ذكرنا آنفا من كراهة بعضهم للقتال ومجادلتهم له فيه بعد ما تبين لهم أنه الحق الذي يريده الله تعالى بوعده إياهم إحدى الطائفتين. أجل، كان صلى الله عليه وسلم يعلم أن شؤون الاجتماع البشري كسائر أطوار العالم لله تعالى فيها سنن مطردة لا تتغير ولا تتبدل كما تكرر ذلك في السور المكية بوجه عام، ثم ذكر بشأن القتال خاصة في الكلام على غزوة أحد من سورة آل عمران المدنية قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا [ آل عمران : ١٣٧ ] ثم في سورة الأحزاب المدنية التي نزلت في غزوتها التي تسمى غزوة الخندق أيضا. وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أن سننه تعالى في القتال كسائر سننه في أنها لا تبديل لها ولا تحويل من قبل نزول ما أشرنا إليه في هاتين السورتين المدنيتين اللتين نزلتا بعد غزوة بدر فلذلك كان خوفه على المؤمنين عظيما.
فإن قيل : كيف يصح هذا وقد وعده الله تعالى إحدى الطائفتين أنها تكون للمؤمنين وكشف له عن مصارع صناديد المشركين ؟ فإذا كان قد جوز أن يكون وعده العام بالنصر له وللمؤمنين ( وهو مكرر في السور المكية والمدنية وصرح في بعضها بأنه من سننه في رسله والمؤمنين بهم ) غير معين أن يكون في هذه الغزوة كما قال بعض العلماء فلا يأتي مثل هذا الجواز في وعدهم إحدى الطائفتين فيها ولاسيما بعد أن نجت طائفة العير، انحصر الوعد في طائفة النفير، وبعد أن كشف تعالى له عن مصارع القوم ؟
قلنا : أما كشف مصارع القوم له فالظاهر المتعين أنه كان عقب دعائه واستغاثته ربه، ولذلك تمثل بعده بقوله تعالى سورة القمر : سيهزم الجمع ويولون الدبر [ القمر : ٤٥ ] وزال خوفه وصار يعين أمكنة تلك المصارع. وأما الوعد فسيأتي فيه أنه كان في زمن الاستغاثة والاستجابة فإن كان قبله فأمثل ما يقال فيه وأقواه ما قاله العلماء في كثير من وعود الكتاب والسنة المطلقة بالجزاء على بعض الأعمال بأنه مقيد بما تدل عليه النصوص الأخرى من الإيمان الصحيح واجتناب الكبائر، ومن ذلك أن الوعد المطلق بالنصر للرسل والمؤمنين في عدة آيات مقيد بما اشترط له في آيات أخرى، مثال الأول قوله تعالى في سورة المؤمن المكية إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد [ غافر : ٥١ ] وقوله في سورة الروم المكية أيضا : وكان حقا علينا نصر المؤمنين [ الروم : ٤٥ ].
ومثال الثاني قوله تعالى في الآيات التي أذن الله فيها للمؤمنين بالقتال دفاعا عن أنفسهم أول مرة وذلك في سورة الحج المدنية ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز [ الحج : ٤٠ ] وقوله بعد ذلك في سورة القتال ( أو محمد ) يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم [ محمد : ٨ ] وقد سبق لنا بيان هذا المعنى في التفسير وإقامة الحجة به على المسلمين الجاهلين المغرورين والخرافيين الذين يتكلون في أمورهم على الصلحاء الميتين في قضاء حوائجهم بخوارق العادات، وتبديل سنن الله في الأسباب والمسببات، حتى كأن قبورهم معامل للكرامات، يتهافت عليها الأفراد والجماعات، يدعون أصحابها خاشعين، ما لا يدعو به الموحدون إلا الله رب العالمين. كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة المؤمنين.
وجملة القول في هذا المقام أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه كان يعلم بإعلام القرآن أن للنصر في القتال أسباب حسية ومعنوية، وأن لله تعالى فيها سننا مطردة، وأن وعد الله تعالى وآياته منها المطلق ومنها المقيد، وأن المقيد يفسر المطلق ولا يعارضه، ولا اختلاف ولا تعارض في كلام الله تعالى، وكان يعلم مع ذلك أن لله تعالى عناية وتوفيقا يمنحه من شاء من خلقه فينصر به الضعفاء على الأقوياء والفئة القليلة على الفئة الكثيرة بما لا ينقض به سننه، وأن له فوق ذلك آيات يؤيد بها رسله، فلما عرف من ضعف المؤمنين وقلتهم ما عرف استغاث الله تعالى ودعاه ليؤيدهم ب
إذ يغشّيكم النعاس أمنة منه هذه منة أخرى من مننه تعالى على المؤمنين، التي كانت من أسباب ظهورهم على المشركين، وهي إلقاؤه تعالى النعاس عليهم حتى غشيهم – أي غلب عليهم فكان كالغاشية تستر الشيء وتغطيه- تأمينا لهم من الخوف الذي كان يساورهم من الفرق العظيم بينهم وبين عدوهم في العدد والعدة وغير ذلك. روى أبو يعلى والبيهقي في الدلائل عن علي كرم الله وجهه قال ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة حتى أصبح. وذلك أن من غلب عليه النعاس لا يشعر بالخوف، كما أن الخائف لا ينام، ولكن قد ينعس، والنعاس فتور في الحواس وأعصاب الرأس يعقبه النوم فهو يضعف الإدراك ولا يزيله كله فمتى زال كان نوما ولذلك قال بعضهم هو أول النوم.
وفي المصباح : وأول النوم النعاس وهو أن يحتاج الإنسان إلى النوم، ثم الوسن وهو ثقل النعاس، ثم الترنيق وهو مخالطة النعاس للعين، ثم الكرى والغمض وهو أن يكون الإنسان بين النائم واليقظان، ثم العفق وهو النوم وأنت تسمع كلام القوم، ثم الهجود والهجوع ١ه. وهو يفيد أن الوسن والترنيق درجتان من درجات النعاس وأن الكرى مرتبة فاصلة بين النعاس والنوم، وفي المصباح أيضا أن النعاس اسم مصدر لنعس من باب قتل، والجمهور على أنه من باب فتح فهو من البابين، وضعوا اسمه بوزن فعال بالضم كأنهم عدوه من الأمراض كالسعال والفواق والكباد.
وقال علي رضي الله عنه إنهم ناموا يومئذ، وظاهر عبارته أنهم ناموا في الليل والمتبادر أن نعاسهم كان في أثناء القتال، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك وتحقيق الحق فيه في تفسير قوله تعالى : ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم [ آل عمران : ١٥٤ ] وهو في سياق غزوة أحد. وقلت هنالك : قد تقدم في ملخص القصة ذكر هذا النعاس وأنه كان في أثناء القتال، وإنما كان مانعا من الخوف لأنه ضرب من الذهول والغفلة عن الخطر، ولكن روي أن السيوف كانت تسقط من أيديهم واختار الأستاذ الإمام أنه كان بعد القتال الخ فيحسن مراجعته ففيه الكلام على النعاس يوم بدر أيضا وهو في ( ج٤ تفسير ).
قرأ الأكثرون ( يغشّيكم ) بالتشديد من التغشية وهو إما للتدريج وإما للمبالغة في التغطية، وقرأه نافع بالتخفيف من الإغشاء، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ( يغشاكم ) من الثلاثي ورفع النعاس على أنه فاعله، وهذا لا يخالف القراءتين قبله بل هو كالمطاوع لهما ومعنى الثلاثة أن الله تعالى جعل النعاس يغشاكم فغشيكم، وأما صيغ الفعل ودلالة قراءة التشديد على التدريج أو المبالغة دون قراءة التخفيف فيحمل اختلافهما على اختلاف حال من غشيهم النعاس فهو لا يكون عادة إلا بالتدريج ويكون أشد على بعض الناس من بعض، وقد ذكرنا بحث صيغة ( غ ش ي ) في اللغة في تفسير سورة الأعراف.
وينزّل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام وهذه منة ثالثة منه عز وجل على المؤمنين، كان لها شأن عظيم في انتصارهم على المشركين، روى ابن المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه أن المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء فظمئ المسلمون وصلوا مجنبين محدثين، وكان ببينهم رمال فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن وقال أتزعمون أن فيكم نبيا وأنكم أولياء الله وتصلون مجنبين محدثين ؟ فأنزل الله من السماء ماء فسال عليهم الوادي ماء فشرب المسلمون وتطهروا وثبتت أقدامهم ( أي على الدهاس أو الرمل اللين لتلبده بالمطر ) وذهبت وسوسته.
هذا أثبت وأوضح وأبسط ما ورد في المأثور عن هذا المطر في بدر، وعن مجاهد أنه كان قبل النعاس خلافا لظاهر الترتيب في الآية والواو لا توجبه. ولولا هذا المطر لما أمكن المسلمين القتال لأنهم كانوا رجالة ليس فيهم إلا فارس واحد هو المقداد كما تقدم وكانت الأرض دهاسا تسيخ فيها الأقدام أو لا تثبت عليها.
قال المحقق ابن القيم في الهدي النبوي : وأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرا واحدا فكان على المشركين وابلا شديدا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلاّ طهرهم به وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطأ به الأرض وصلب الرمل، وثبت الأقدام، ومهد به المنزل، وربط على قلوبهم. فسبق رسول الله وأصحابه إلى الماء فنزلوا عليه شطر الليل وصنعوا الحياض ثم غوروا ما عداها من المياه، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الحياض وبني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش يكون فيها على تل مشرف على المعركة ومشى في موضع المعركة وجعل يشير بيده ( هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى ) فما تعدى أحد منهم موضع إشارته اه.
وقد ذكر ابن هشام مسألة المطر بنحو مما قال ابن القيم ثم قال :
قال ابن إسحاق فحدثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر ابن الجموح قال يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزله الله ليس لنا أن نتقدمه ولا أن نتأخر عنه ؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال :( بل هو الحرب والرأي والمكيدة ) قال يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغوّر ما وراءه من القلب ( بضمتين جمع قليب وهي البئر غير المطوية أي غير المبنية بالحجارة ) ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لقد أشرت بالرأي ) وذكر أنهم فعلوا ذلك.
ذكر تعالى لذلك المطر أربع منافع : الأولى : تطهيرهم به أي تطهيرا حسيا بالنظافة التي تشرح الصدر وتنشط الأعضاء في كل عمل –وشرعيا بالغسل من الجنابة والوضوء من الحدث الأصغر. الثانية : إذهاب رجز الشيطان عنهم. والرجز والرجس والركس كلها بمعنى الشيء المستقذر حسا أو معنى والمراد هنا وسوسته كما تقدم في المأثور. الثالثة : الربط على القلوب ويعبر به عن تثبيتها وتوطينها على الصبر كما قال تعالى : وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها [ القصص : ١٠ ]. وتأثير المطر في القلوب تفسره المنفعة الرابعة : وهو تثبيت الأقدام به فإن من كان يعلم أنه يقاتل في أرض تسوخ فيها قدمه كلما تحرك وهو قد يقاتل فارسا لا راجلا لا يكون إلا وجلا مضطرب القلب.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير