ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ

تفسير المفردات : يغشيكم : يجعله مغطيا لكم ومحيطا بكم، والنعاس : فتور في الحواس وأعصاب الرأس يعقبه النوم فهو يضعف الإدراك ولا يزيله كله فإذا أزاله كان نوما، والرجز والرجس والركس : الشيء المستقذر حسا أو معنى، ويراد به هنا وسوسة الشيطان، والربط على القلوب : تثبيتها وتوطينها على الصبر.
المعنى الجملي : روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال : حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما كان يوم بدر نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلا، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف أو يزيدون فاستقبل نبي الله القبلة ثم مد يده وجعل يهتف بربه :( اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبلا القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله تعالى : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين فلما كان يومئذ والتقوا هزم الله المشركين فقتل منهم سبعون رجلا وأسر سبعون. وروى البخاري عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ( اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد ) فأخذ أبو بكر بيده فقال حسبك. فخرج وهو يقول : سيهزم الجمع ويولون الدبر [ القمر : ٤٥ ].
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم بإعلام القرآن أن للنصر في القتال أسبابا حسية ومعنوية، وأن لله سننا مطردة، وهو مع ذلك يعلم أن لله توفيقا يمنحه من شاء من خلقه فينصر به الضعفاء على الأقوياء والفئة القليلة على الفئة الكثيرة بما لا ينقض به سننه، وأن له فوق ذلك آيات يؤيد بها رسله، فلما عرف من ضعف المؤمنين وقلتهم ما عرف استغاث الله تعالى ودعاه ليؤيدهم بالقوة المعنوية التي تكون أجدر بالنصر من القوة المادية، وكان كل من علم بدعائه يتأسى به في هذا الدعاء ويستغيث ربه كما استغاث.
الإيضاح : إذ يغشيكم النعاس أمنة منه أي إنه تعالى ألقى عليهم النعاس حتى غشيهم غلب عليهم تأمينا لهم من الخوف الذي كان يساورهم من الفرق الشاسع بينهم وبين عدوهم في العدد والعدة ونحو ذلك، إذ من غلب النعاس لا يشعر بالخوف، كما أن الخائف لا ينام ولكن قد ينعس إذ تفتر منه الحواس والأعصاب.
روى البيهقي في الدلائل عن علي كرم الله وجهه قال :( ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة حتى أصبح ) والمتبادر من الآية : أن النعاس كان في أثناء القتال، وهو يمنع الخوف، لأنه ضرب من الذهول والغفلة عن الخطر.
وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام روى ابن المنذر من طريق ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه : أن المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء فظمئ المسلمون، وصلوا مجنبين محدثين، وكان بينهم رمال فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن وقال : أتزعمون أن فيكم نبيا وأنكم أولياء وتصلون مجنبين محدثين، فأنزل الله من السماء ماء فسال عليهم الوادي ماء فشرب المسلمون وتطهروا وثبتت أقدامهم أي : على الرمل اللين لتلبده بالمطر، وذهبت وسوسته.
وقال ابن القيم : أنزل الله في تلك مطرا واحدا فكان على المشركين وابلا شديدا منعهم من التقدم وكان على المسلمين طلا طهرهم به وأذهب عنهم رجس الشيطان ووطّأ به الأرض، وصلّب الرمل، وثبّت الأقدام ومهّد به المنزل، وربط على قلوبهم، فسبق رسول الله وأصحابه إلى الماء فنزلوا عليه شطر الليل وصنعوا الحياض ثم غوّروا ما عداها من المياه ونزل رسول الله وأصحابه على الحياض وبني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش على تلّ مشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة وجعل يشير بيده : هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى فما تعدّى أحد منهم موضع إشارته اه.
وقال ابن إسحاق : إن الحباب بن المنذر قال : يا رسول الله أرأيت هذا المنزل ؟ أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا أن نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة قال :( بل هو الحرب والرأي والمكيدة ) قال : يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغوّر ما وراءه من القلب " الآباء غير المبينة " ثم نبني عليها حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لقد أشرت بالرأي، وفعلوا ذلك ).
وقد فهم من الآية أنه كان لهذا المطر أربع فوائد :
( ١ ) تطهيرهم حسيا بالنظافة التي تنشط الأعضاء وتدخل السرور على النفس، وشرعيا بالغسل من الجنابة والوضوء من الحدث الأصغر.
( ٢ ) إذهاب رجس الشيطان ووسوسته.
( ٣ ) الربط على القلوب : أي توطين النفس على الصبر وتثبيتها كما قال : وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها [ القصص : ١٠ ] وهذا لمّا للمطر من المنافع التي تكون أثناء القتال.
( ٤ ) تثبيت الأقدام به، ذاك أن هذا المطر لبد الرمل وصيره بحيث لا تغوص فيه أرجلهم فقدروا على المشي كيف أرادوا، ولولاه لما قدروا على ذلك.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير