ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ

إذ يغشيكم النعاس أمنة منة في هذا الحرف ثلاث قراءات سبعيات : قرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي : إذ يغشيكم النعاس أمنة منه مضارع غشاه يغشيه. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى : فغشاها ما غشا ٥٤ [ النجم : الآية ٤٥ ]. وقرأه نافع وحده من السبعة : إذ يغشيكم النعاس مضارع أغشى يغشي، من قوله :}فأغشيناهم فهم لا يبصرون } [ يس : الآية ٩ ]. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو : إذ يغشاكم النعاس أمنة منه .
فعلى قراءة نافع :( النعاس ) منصوب مفعول : يغشيكم وكذلك هو على قراءة ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي : إذ يغشيكم النعاس هو مفعول يغشيكم ولا فرق بين قراءتهم وبين قراءة نافع، إلا أن الفعل على قراءتهم معدى بالتضعيف، وعلى قراءة نافع معدى بالهمزة، والتعدية بالهمزة والتضعيف معروفان متساويان، أما على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو : إذ يغشاكم النعاس أمنة منه ( النعاس ) مرفوع، فاعل يغشاكم وقد جاء النعاس فاعلا – كقراءة أبي عمرو، وابن كثير هنا جاء ذلك- في سورة آل عمران في قوله : ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى [ آل عمران : الآية ١٠٤ ] أي : النعاس طائفة منكم كما قال هنا : إذ يغشاكم النعاس أمنة منه النعاس : معروف، وهو أوائل النوم.
وأجرى الله العادة أن النعاس لا يكون للخائف – أن الخائف يطير منه النعاس ويطير منه النوم فلا ينعس ولا ينام – وأن الذي يصيبه النعاس فينام هو الآمن ؛ ولذا كانوا يقولون :( الأمن منيم، والخوف مسهر ) ؛ لأن صاحب الأمن ينعس فينام، فترى الآمن ناعسا ونائما، والخائف قلقا لا يأتيه النعاس ولا النوم. وأجرى الله العادة أنه إذا أراد نصر حزبه ألقى عليهم النعاس ؛ لأن النعاس لا يغشاهم إلا وقد زال من صدروهم الخوف وقلق الجزع والحزن، وهذا تأمين منه لهم، وتثبيت لهم، كما تقدم في قوله : ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم [ آل عمران : الآية ١٥٤ ] وقد قدمنا في تفسيرها في آل عمران عن ابي طلحة أنه ذكر أنه سقط منه سيفه ثلاث مرات وهو قائم في الصف من شدة النعاس، وأنهم يميدون تحت السلاح لشدة نعاسهم. وقد ذكر هنا أنه غشاهم النعاس في وقعة بدر.
وقوله : أمنة منه [ الأنفال : الآية ١١ } مفعول من أجله. إذ يغشيكم ( جل وعلا ) النعاس لأجل الأمنة منه. والأمنة : مصدر أمن يأمن أمنة وأمنا وأمانا. والأمنة والأمان ضد الخوف. أي : لأجل أن تكونوا آمنين ليس في قلوبكم خوف ولا جزع ولا قلق، وهذا من تثبيت الله لعباده المؤمنين.
وقد اختلف العلماء في وقت هذا النعاس الذي صرح الله أنه غشاه أهل بدر، فقال بعض العلماء : كان هذا النعاس غشاهم الله إياه في الليلة التي في صبيحتها وقعة بدر، وكانت ليلة الجمعة، وهي السابعة عشرة من شهر رمضان، في عام اثنين من الهجرة. المفروض أنهم كانوا يكونون في خوف وقلق ؛ لأنهم غدا يتلاقون مع عدوهم، وهو جيش عرمرم قوي، فالعادة أن من هو إذا أصبح يلاقي جيشا عرمرما، وينتظر الموت أنه يبيت والنعاس طائر عنه، والنوم طائر من عينيه لما يصيبه من خوف الموت والفزع والقلق، إلا أن الله خرق العادة لحزبه هنا، وغشاهم النعاس. قالوا : ففي تلك الليلة ناموا ملء عيونهم نوما مستغرقا كنوم الآمنين في غاية الأمن حتى احتلموا وأصبح كثير منهم جنبا من الاحتلام ! ! والغالب أن الرجل لا يحتلم إلا إذا كان نومه مستغرقا، والنوم لا يكون ثقيلا مستغرقا إلا للآمن الذي لا يخالجه خوف ؛ لأن الخائف والقلق ولو قدرنا أنه أصابته غفوة فعن قليل يستيقظ فزعا مرعوبا، فهم في تلك الليلة غشاهم الله النعاس فباتوا في أمن ونوم عميق نائمين، وجنبوا تلك الليلة. قالوا : ومن حكمة ذلك أن النوم الثقيل العميق تستريح منه الأعضاء من التعب، فأصبحوا مستريحين قادرين على كفاح العدو، قال المفسرون : أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن نفير قريش سبقهم إلى الماء، وكانوا في العدوة الدنيا من بدر، وكان الوادي الذي هم فيه فيه رمال دهسة، يصعب المشي فيها ؛ لأن الأقدام تسوخ فيها، أجنبوا وعطشوا، فجاءهم إبليس برجزه فوسوس لهم وسوسة عظيمة ثقلت على بعض الصحابة، وقال : تزعمون أنكم على الحق وأنتم في عطش، والقوم قد سبقوكم إلى الماء وغلبوكم عليه، فإذا أجهدكم العطش جاؤوكم فقتلوا من شاؤوا، وأسروا من شاؤوا، وأنتم تصلون بالجنابة في عطش، وأرجلكم تسوخ في الرمل، والعدو بخلاف هذا ! ! فانزل الله مطرا من السماء، وسلط عليهم النوم، فسال الوادي، فاغتسلوا من الجنابة، وشربوا، وسقوا دوابهم، ولبد لهم الأرض حتى صارت الخطا ثتبت عليها، والأقدام تثبت عليها ولا تسيخ فيها ؛ لأن الرمل المتهائل إذا ضربه المطر اشتد وصار الإنسان يمشي عليه ولا تسوخ قدمه فيه، وإن كان يابسا صعب المشي فيه ؛ لأن الرجل تسوخ فيه.
وقال بعض العلماء : النعاس الذي غشاهم إياه : بعد أن التحم القتال أصاب المسلمين نعاس يوم بدر كما أصابهم يوم أحد. والله تعالى أعلم. إذ يغشيكم النعاس أمنة منه [ الأنفال : الآية ١١ ] لأجل الأمن، سواء قلنا : إنه في الليل، أو إنه في النهار وقت التحام الصفين. هذا معنى قوله : إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء هو هذا المطر الذي كنا نذكر خبره الآن.
وقرأه السبعة غير ابن كثر وأبي عمرو : وينزل بتشديد الزاي وفتح النون. مضارع نزله ينزله. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو : وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به أي : من الجنابة كما طهر باطنكم طهر لكم ظاهركم من الجنابة.
ويذهب عنكم رجز الشياطين أي : وسوسة الشيطان الذي أثقل عليكم بها : أنكم تصلون بالجنابة، وأنكم عطاش يهلككم العطش فيأخذكم العدو. أذهب عنكم بنزول ذلك الماء. أنزل ذلك المطر ليطهركم من الجنابة، وكل حدث أصغر وأكبر. ويذهب عنكم رجز الشياطين أي : وسوسته التي كان يسوس لكم بها.
وليربط على قلوبكم حيث أزال عنكم وسوسة الشيطان : أن العطش يضعفكم، وأن القوم يأخذونكم حيث شربتم من ذلك المطر وتقويتم وليربط على قلوبكم معناه : يشدها ويقويها حيث أزال وساوس الشيطان التي أثقل عليكم بها.
ويثبت به الأقدام يعني : يثبت بالمطر أقدامكم على دهس الرملة ؛ لأنها قبل المطر كانت تسوخ فيها الأقدام. وعلى هذا القول أكثر المفسرين. وقال بعض العلماء : الربط على القلوب وتثبيت الأقدام هنا : الربط على القلوب : هو تثبيت الجأش والشجاعة. وتثبيت الأقدام : هو تثبيتها في الميدان، وأن السبب المسبب لهذا هو الإمداد بالملائكة. وهذا يبعد من ظاهر القرآن، والذي عليه الجمهور : هو ما ذكرنا أن تثبيت الأقدام هنا تثبيت حسي ؛ لأن المطر لبد الأرض الدهسة فصارت الأقدام تثبت عليها ولا تسوخ فيها. وهذا معنى قوله : ويثبت به الأقدام .

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير