ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ

وقوله تعالى :( إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) ذكر النعاس بعد شدة خوفهم، والنعاس لا يكون ممن اشتد به الخوف، ولا يغشاه إلا بعد الأمن. فذكر لطفه ومنته الأمن بعد شدة الخوف ذكر عظيم ما من عليهم من الأمن لما ذكر من إلقاء النعاس عليهم. والنعاس إنما يكون بعد الأمن بعد ما كان من حالهم ما ذكر حين[ في الأصل وم : حيث ] قال :( كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ )[ الأنفال : ٦ ].
وقوله تعالى :( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) ذكر في بعض القصة أن المشركين سبقوا، فأخذوا الماء، فبقي المسلمون في رمل، لا تثبت أقدامهم، عطاشا[ في الأصل وم : عطشا ]، فوسوس إليهم الشيطان إنهم لو كانوا على حق ما بلوا بمثل ذلك في رمل، لا تثبت أقدامهم، وعطش[ في الأصل وم : عطشى ]. فأبدل الله تعال مكان الخوف أمنا يأمنون به، وأنزل عليهم ( مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) ويشربوا[ في الأصل : ويشربون ] /١٩٦-ب/ ويشد به الرمل، فتثبت أقدامهم.
فذلك قوله تعالى :( إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ).
قال أهل التأويل : وسوسة الشيطان التي يوسوس إليهم. وقيل : الرجز الإثم، ثم أذهبَ[ في الأصل وم : ذهب ] ذلك عنهم كقوله تعالى :( رجسا )[ التوبة : ١٢٥ ] أي[ في الأصل وم : أو ] فسقا.
وقوله تعالى :( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) ذكر هذا، والله أعلم، على المبالغة ؛ أخبر أنه أنزل من السماء ما فضل عن حوائجهم حتى وجدوا ما يطهروا أنفسهم وأبدانهم، وأذهب[ في الأصل وم : وذهب ] عنهم رجز الشيطان. ذكر السبب الذي به يذهب الرجز ؛ لأن الرجز هو العذاب. فذكر الرجز والمراد منه سبب الرجز.
وقوله تعالى :( وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ) أي يشدها ( وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ ) يحتمل حقيقة تثبيت الأقدا، ويحتمل الثبات على ما هو عليه. والربط هو الشد لشيء. فيحتمل قوله ( وليربط على قلوبكم ) أي يشدها حتى لا يزال أحد عما هو فيه ولا يزيغ عن ذلك، وإن ابتلاه الله تعالى بأنواع الشدائد والبلايا.
ذكر في التوحيد والإيمان الربط والتثبيت بقوله :( كذلك لنثبت به فؤادك )[ الفرقان : ٣٢ ] وقوله :( وليربط على قلوبكم )[ الأنفال : ١١ ] وقوله :( وربطنا على قلوبهم )[ الكهف : ١٤ ] وذكر في الشرك والكفر الطبع والختم والقفل ونحوه، فهو، والله أعلم، عقوبة لهم لما اختاروا ذلك.
وقوله تعالى :( ويذهب عنكم رجز الشيطان ) قيل : وسوسة الشيطان، وهو ما ذكر في بعض القصة أن المسلمين أصابهم ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم القنوط، [ يوسوس لهم ][ في الأصل وم : يوسوهم ]، ويقول لهم : تزعمون أنكم أولياء اله، وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين، فأمطر الله عيهم مطرا شديدا، فشرب المسلمون، وتطهروا، وأذهب عنهم رجز الشيطان، ونشف الرمل ؛ حين أصابه المطر مشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم وأمد الله عز وجل نبيه بألف من الملائكة بقوله :( بألف من الملائكة مردفين )[ الأنفال : ٩ ].

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية