ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

يأيها الذين امنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا حال من فاعل لقيتم ومفعوله أي متزاحفين بعضكم إلى بعض مختلطين المسلمون بالمشركين والتزاحف التداني في القتال كذا قال : البغوي، قلت : وإنما سمي التداني في القتال تزاحفا لأنه مأخوذ من زحف الصبي إذا دب على أسته قليلا أو من زحف البعير إذا أعييى فيسير قليلا يجر فرسه فإن مزاحمة العدو يمنعهم عن الإسراع في المشي فكأنهم يزحفون كما يزحف الصبي، فالزحف مصدر ولذلك لم يجمع كقولهم قول عدل، وقال الليث الزحف جماعة يزحفون إلى عدولهم فهم الزحف بالفتح الإسكان والجمع بالضمتين، وفي القاموس الزحف الجيش يزحفون إلى العدو واختار البيضاوي هذا المعنى حيث فسر زحفا بمعنى كثيرا فعلى هذا إمنا أن يكون حالا من الذين كفروا يعني إذا لقيتم جماعة كثيرة من الكفار فضلا من ان يكونوا مثلكم وقليلا منكم فلا تولوهم الأدبار أي لا تولوا ظهوركم بالانهزام، وإما من الفاعل والمفعول جميعا، والمعنى إذا لقيتم متكثرين بجماعة كثيرة من الكفار وحينئذ يكون جريان الحال جريا على العادة فإن الغالب قتال المتكثرين بالمتكثرين وإما من الفاعل وحده ويكون إشعارا بما سيكون منهم يوم حنين حين تولوا وهم اثنا عشر ألفا وألا ظهر عندي في تفسير الآية ما قال البغوي، فإنه يقتضي عموم النهي سواء كان من الفريقين جماعات أو فرادى فإن مقابلة الجمع بالجمع يقتضي انقسام الآحاد على الآحاد.
مسألة
الفرار من الزحف كبيرة من الكبائر وعلى هذا أكثر أهل العلم و به قال : الأئمة الأربعة من الفقهاء لكنهم قالوا : إن المسلمين إذا كانوا على شطر من عدوهم لا يجوز لهم أن يفروا وإن كانوا أقل من ذلك، جاز لهم أن يولوا ظهورهم ويتجاوزوا عنهم لقوله تعالى : الآن خفف الله عنكم وعلم ان فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ١ الآية، قال : عطاء بن رباح : هذه الآية يعني لا تولواهم الأدبار منسوخة بقوله تعالى : الآن خفف الله عنكم وبحديث ابن عمر قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فحاص الناس حيصة فأتينا المدينة فاختفينا بها وقلنا هلكنا ثم أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : يا رسول الله نحن الفرارون قال :" بل انتم العكارون وأنا فئتكم " ٢ رواه الترمذي وحسنه في رواية أبي داود نحوه.
وقال محمد بن سرين لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر رضي الله عنهما فقال : لو إنحاز إلي كنت له فئة وأنا فئة كل مسلم، ومجمل هذين الحديثين قلة المسلمين من شطر الكفار. قال : البغوي قال : ابن عباس من فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من اثنين فقد فر، وقال بعض الناس لا بأس بالفرار مطلقا محتجا بما ذكرنا من حديث ابن عمرو ومحمد بن سرين، قال : أبو سعيد الخدري هذا يعني النهي عن التولي زحفا في أهل بدر خاصة ما كان يجوز لهم الانهزام لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك ولو انحازوا إلى المشركين فأما بعد ذلك فإن المسلمين بعضهم فئة بعض فيكون الفار متحيز إلى فئة فلا يكون فرارة كبيرة وهو قول الحسن وقتادة والضحاك، وقال يزيد بن أبي حبيب أوجب الله تعالى النار لمن فر يوم بدر فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال : إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ٣ ثم كان يوم حنين بعد فقال : ثم توليتم مدبرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ٤ قلت : وهذا القول رده إجماع الأئمة على ما ذكرنا وما ذكر من الآيات في يوم أحد ويوم حنين فهي حجة لنا لا علينا حيث قال : الله تعالى : إنما استزلهم الشيطان وقال : عفا الله عنهم والعفو يقتضي العصيان وكذا قوله تعالى : ثم يتوب الله بدل وجود المعصية والله أعلم، وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم التولي يوم الزحف من السبع الموبقات " ٥ رواه الشيخان في الصحيحين في حديث أبي هريرة وأصحاب السنن عن صفوان بن عسال، وقد ذكرنا الكبائر في سورة النساء في تفسير قوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ٦

١ سورة الأنفال الآية ٦٦.
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: الجهاد، باب: ما جاء في الفرار من الزحف (١٧١٦)، وأخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب في التولي يوم الزحف (٢٦٤٥).
٣ سورة آل عمران الآية ١٥٥..
٤ سورة التوبة الآيات ٢٥- ٢٧.
٥ أخرجه البخاري في كتاب: المحاربين من اهل الكفرة والردة، باب: رمي المحصنات (٦٨٥٧)، وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان الكبائر واكبرها (٨٩).
٦ سورة النساء، الآية: ٣١.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير