ثم ذكر شروط كمال الإيمان، فقال : إنما المؤمنون الكاملون في الإيمان : الذين إذا ذُكر الله وَجَلتْ قلوبُهم ؛ خافت واقشعرت لذكره ؛ استعظاماً له وهيبة من جلاله، وقيل : هو الرجل يهم بالمعصية فيقال له : اتق الله، فينزع عنها خوفاً من عقابه، وإِذا تُلِيت عليهم آياته القرآنية زادتهم إيماناً أي : يقيناً وطمأنينة بتظاهر الأدلة التي اشتملت عليها، أو بالعمل بموجبها.
وهو دليل على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، بناء على أن العمل داخل فيه، والتحقيق : أن العمل خارج عنه، لكن نوره يتقوى به وينقص بنقصانه أو بالمعصية وسيأتي في الإشارة الكلام عليه.
ومن أوصاف أهل الإيمان : التوكل على الله والاعتماد عليه، كما قال : وعلى ربهم يتوكلون وقد تقدم في " آل عمران " الكلام على التوكل(١).
قال الشيخ زروق : وهذه هي الغنيمة الباردة، وهذه الأمور بيد الله وبواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معنى قوله : قل الأنفال لله والرسول ، ثم دل على موجباتها فقال : فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم... الآية، وقوله تعالى : زادتهم إيماناً : اعْلم أن الإيمان على ثلاثة أقسام : إيمان لا يزيد ولا ينقص وهو إيمان الملائكة، وإيمان يزيد وينقص، وهو إيمان عامة المسلمين، وإيمان يزيد ولا ينقص وهو إيمان الأنبياء والرسل، ومن كان على قدمهم من العارفين الروحانيين الراسخين في علم اليقين، ومن تعلق بهم من المريدين السائرين، فهؤلاء إيمانهم دائما في الزيادة، وأرواحهم دائما في الترقي في المعرفة، يزيدون بالطاعة والمعصية ؛ لتيقظهم وكمال توحيدهم، وفي الحكم :" وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول ". وقال أيضاً :" معصية أورثت ذلاً وافتقاراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً " والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي