المفردات :
وجلت قلوبهم : خافت وفزعت.
زادتهم إيمانا : تصديقا ويقينا.
يتوكلون : يثقون بالله لا غيره.
التفسير :
٢ - إنمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياته زَادَتْهُمْ إيمانا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ .
هذه الآية تحريض على التزام طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمر به من قسمة الغنيمة.
ومعنى الآية :
إنما المؤمنون الصادقون الذين إذا ذكر الله وذكرت صفاته أمامهم، خافت قلوبهم وفزعت، استعظاما لجلاله وتهيبا من سلطانه، وحذرا من عقابه ورغبة في ثوابه ؛ وذلك لقوة إيمانهم وصفاء نفوسهم، وشدة مراقبتهم لله عز وجل ووقوفهم عند أمره ونهيه.
وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياته زَادَتْهُمْ إيمانا . أي : ومن صفات المؤمنين أنهم إذا قرئت عليهم آيات القرآن أو الأدلة على وجود الله ؛ قوى إيمانهم وتصديقهم وتيقنهم بربهم، ونشاطهم في أعمالهم وعلى ربهم يتوكلون.
فهم يعتمدون على الله، ويفوضون أمورهم إليه ويتوجهون إليه بالدعاء مع الأخذ بالأسباب وعدم تركها، ومراعاة سنن الله في الكون التي لا تتبدل، ولا تتغير، ومن تركها ؛ كان جاهلا مؤاخذا.
ويتعلق بهذه الآية ما يأتي :
١ – جمهور العلماء : على أن الإيمان يقبل الزيادة والنقص، وهو مذهب الجم الغفير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، وذهب الإمام أبو حنيفة وكثير من المتكلمين إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، واختاره إمام الحرمين، محتجين بأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان، وذلك لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان وإذا تأملنا الأمر ؛ وجدنا أن رأى جمهور العلماء في هذه المسألة أولى بالقبول ؛ لأنه من الواضح أن إيمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أرسخ وأقوى من إيمان آحاد الناس، ولأنه كلما تكاثرت الأدلة ؛ كان الإيمان أشد رسوخا في النفس، وأعمق أثرا في القلب.
جاء في تفسير أبي السعود ما يأتي :
زادتهم إيمانا : أي : يقينا وطمأنينة نفس، فأن تظاهر الأدلة وتعاضد الحجج والبراهين موجب لزيادة الاطمئنان وقوة اليقين، وقيل : إن نفس الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان وإنما زيادته باعتبار زيادة المؤمن به، فإنه كلما نزلت آية صدق بها المؤمن فزاد إيمانه عددا وأما نفس الإيمان فهو بحاله، وقيل : باعتبار أن الأعمال تجعل من الإيمان فيزيد بزيادتها، والأصوب أن نفس التصديق يقبل القوة، وهي التي عبر عنها بالزيادة، للفرق الواضح بين يقين الأنبياء وأرباب المكاشفات، ويقين آحاد الأمة، وعليه مبني ما قال على رضي الله عنه : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، وكذا بين ما قام عليه دليل واحد، وما قامت عليه أدلة كثيرةvi.
٢ – قال الإمام النووى : أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا منه في بعضها، فكذا التصديق والمعرفة يتفاضلان بحسب ظهور البراهين وكثرتها.
٢ – قال تعالى : وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي . ( البقرة : ٣٦٠ ).
فهذه الآية دليل على أن مقام الطمأنينة في الإيمان يزيد على ما دونه من الإيمان المطلق وشبيه بهذه الأدلة في الدلالة على قبول الإيمان للزيادة والنقصان قوله تعالى :
هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم . ( الفتح : ٤ ).
وقوله تعالى :
ولما رءا المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ( الأحزاب : ٢٢ ).
١ – هذه الآيات الكريمة في فاتحة سورة الأنفال تربية ربانية للمؤمنين، وتوجيه لهم ما إلى ما يسعدهم، وإرشاد لهم إلى أن المؤمن الصادق في إيمانه هو الذي يجمع بين سلامة العقيدة، وسلامة الخلق وصلاح العمل وأن المؤمن متى جمع بين هذه الصفات ارتفع إلى أعلى الدرجات وأحس بحلاوة الإيمان في قلبه...
روى الحافظ الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : كيف أصبحت يا حارث ؟ قال أصبحت مؤمنا حقا، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : نظر ما تقول، فأن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك ؟ فقال الحارث : عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلى، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاعفون فيها فقال صلى الله عليه وسلم يا حارث، عرفت فالزم " ثلاثاvii.
٢ – من سنة القرآن الكريم في ذكر القصص والوقائع أنه لا يعرض لها مرتبة حسب وقوعها وذلك لأنه لا يذكرها ؛ لما فيها من العبر والمواعظ، ولما تتطلبه من الأحكام ولذلك لم تبدأ سورة الأنفال بالحديث عن الغزوة، وإنما بدأت بالحديث عن الأنفال مع أنها أمر لاحق للغزو والجهاد ؛ لأن القرآن أراد أن يتجه مباشرة إلى تربية المؤمنين، وعلاج الخلاف الذي حدث بسبب الغنائم، وتوجيه القلوب إلى الإخلاص لله والتجرد من حب المال والتطلع إلى المادة، ولا ريب أن حب المال والتطلع إلى المادة، والضعف أمام إغراء المال من أكبر أسباب الفشل، لقد كانت تربية القرآن تربية سليمة في تطهير الروح، وتوجيه النفوس إلى التكامل والتوازن والسلوك القويم.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة