تفسير المفردات : الوجل : الفزع والخوف.
المعنى الجملي : نزلت هذه الآيات في غنائم غزوة بدر، إذ تنازع فيها من حازها من الشبان وسائر المقاتلة، فقد روى أبو داود والنسائي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من قتل قتيلا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا ) فأما المشيخة فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان فسارعوا إلى القتل والغنائم فقالت المشيخة للشبان : إنا كنا لكم ردءا ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت : يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول وروى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن سعد بن أبي وقاص أنه قتل سعيد بن العاص وأخذه سيفه واستوهبه النبي صلى الله عليه وسلم فمنعه إياه وأن الآية نزلت في ذلك فأعطاه إياه لأن الأمر كله إليه صلى الله عليه وسلم.
الإيضاح : ثم وصف الله تعالى المؤمنين بخمس صفات تدل على وجوب التقوى وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله فقال :
إنما المؤمنون أي إنما المؤمنون حقا المخلصون في إيمانهم هم الذين اجتمعت فيهم خصال خمس :
( ١ ) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم أي الذين إذا ذكروا الله بقلوبهم فزعوا لعظمته وسلطانه أو لوعده ووعيده ومحاسبته لخلقه، والآية بمعنى قوله : وبشر المخبتين٣٤ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون [ الحج : ٣٤ ٣٥ ].
( ٢ ) وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا أي وإذا تليت عليهم آياته المنزلة على خاتم أنبيائه صلى الله عليه وسلم زادتهم يقينا في الإيمان، وقوة في الاطمئنان، ونشاطا في الأعمال، إذ أن تظاهر الأدلة وتعاضد الحجج يوجب زيادة اليقين، فإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه كان مؤمنا بإحياء الله الموتى حين دعا ربه أن يريه كيف يحييها كما قال تعالى : أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي [ البقرة : ٢٦٠ ] فمقام الطمأنينة في الإيمان يزيد على ما دونه من الإيمان المطلق قوة وكمالا، ويروى أن عليا المرتضى قال : لو كشف عني الحجاب ما ازددت يقينا، والعلم التفصيلي في الإيمان أقوى من العلم الإجمالي، فمن آمن بأن الله علما محيطا بالمعلومات، وحكمة قام بها نظام الأرض والسماوات، ورحمة وسعت جميع المخلوقات ويعلم ذلك علما إجماليا ولو سألته أن يبين لك شواهده في الخلق لعجز لا يوزن إيمانه بإيمان صاحب العلم التفضيلي بسنن الله في الكائنات في كل نوع من أنواع المخلوقات، ولاسيما في العصور الحديثة التي اتسعت فيها معارف البشر بهذه السنن، فعرفوا منها ما لم يكن يخطر عشر معشاره لأحد من العلماء في القرون الخوالي.
وفي معنى الآية قوله تعالى في وصف الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح في غزوة أحد : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل [ آل عمران : ١٧٣ ] وقوله : هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم [ الفتح : ٤ ].
( ٣ ) وعلى ربهم يتوكلون أي إنهم يتوكلون على ربهم وحده ولا يفوضون أمرهم إلى سواه، فمن كان موقنا بأن الله هو المدبر لأموره وأمور العالم كله لا يمكن أن يكل شيئا منها إلى غيره.
وإذا كان الشرع والعقل حاكمين بأن للإنسان كسبا اختياريا كلفه الله العمل به وأنه يجازي على عمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وجب على الإنسان يسعى في تدبير أمور نفسه بحسب ما وضعه الله في نظام الأسباب وارتباطها بالمسببات، وأن هذا الارتباط لم يكن إلا بتسخير الله تعالى وأن ما يناله باستعمالها فهو فضل من الله الذي سخرها وجعلها أسبابا وعلّمه ذلك، وأن ما لا يعرف له سبب يطلب به، فالمؤمن يتوكل على الله وحده وإليه يتوجه فيما يطلبه منه.
أما ترك الأسباب وتنكب سنن الله في الخلق فهو جهل بالله وجهل بدينه وجهل بسننه التي لا تتبدل ولا تتحول.
( ٤ ) الذين يقيمون الصلاة .
( ٥ ) ومما رزقناهم ينفقون .
تفسير المراغي
المراغي