يا أيها الذين امنوا إن تتقوا الله بطاعته وترك معصيته يجعل لكم فرقانا أي بصيرة في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل وهو المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم :" اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " ١ رواه البخاري في التاريخ والترمذي عن أبي سعيد والطبراني وابن عدي عن أبي أمامة وابن جرير عن ابن عمر وقوله صلى الله عليه وسلم " استفت نفسك وإن أفتاك المفتون " ٢ رواه البخاري في التاريخ عن وابصة بسند حسن، قلت : هذا بعد فناء القلب وتزكية النفس عن الرذائل وحينئذ يتحقق حقيقة التقوى، ويسمى هذا في اصطلاح الصوفية بالكشف، والمراد بالفرقان نصرا يفرق بين المحقق والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين وقال مجاهد يجعل له مخرجا في الدنيا والآخرة عما يحذرون، وقال مقاتل بن حبان : مخرجا في الدين من الشبهات وهذا يناسب الأول، وقال عكرمة نجاة يفرق بينكم وبين ما تخافون، وقال الضحاك ثباتا وقال ابن إسحاق فصلا بين الحق والباطل يظهر الله به حقكم و يطفي بطلان من خالفكم، والفرقان مصدر كالرجحان والنقصان ويكفر عنكم سيئاتكم أي يمحو عنكم ويستر لكم ما سلف من ذنوبكم ويغفر لكم نعمائه روى البزاز عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم :" يخرج لابن آدم ثلاثة دواوين ديوان فيه العمل الصالح وديوان فيه ذنوبه وديوان فيه النعم من الله يقول الله لأصغر نعمه في ديوان النعم خذي منك من عمله الصالح فتستوعب العمل الصالح، فيقول : وعزتك ما استوفيت وتبقى الذنوب والنعم وقد ذهب العمل الصالح كله، فإذا أراد الله أن يرحم عبدا قال : يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك ووهبت لك نعمتي ". وأخرج الطبراني عن واثلة بن الأسقع يبعث يوم القيامة عبدا لا ذنب له فيقول الله تبارك وتعالى إي الأمرين أحب إليك ان أجزى بعملك أو بنعمتي عليك، قال : يا رب أنت أعلم أني لم أعصك قال : خذوا عبدي بنعمة من نعمي فما تبقى له حسنة إلا استغرقتها تلك النعمة فيقول بنعمتك ورحمتك "، ومن ها هنا قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنه لا ينجي أحد منكم عمله قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل " ٣ متفق عليه في حديث أي هريرة، وفي الصحيحين عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" سددوا وقاربوا و أبشروا فإنه لا يدخل الجنة احد عمله، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " ٤ وإليه أشار الله سبحانه بقوله : والله ذو الفضل العظيم يعني ما وعدتكم على التقوى ليس مما يوجب ذلك علينا تقواكم بل إنما هو تفضل وإحسان كالسيد إذا وعد إنعاما لعبده على عمل واجب عليه وغن لم ينعم السيد ذلك، وقيل : معنى يكفر عنكم سيئاتكم يعني الصغائر ويغفر لكم يعني ذنوبكم يعني الكبائر.
٢ ورواه أحمد والدارمي في مسنديهما، وقال النووي، إسناده حسن. انظر: فيض القدير (٩٩١)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الرقائق، باب: القصد والمداومة على العمل (٦٤٦٣)، وأخرجه مسلم في كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله (٢٨١٦)..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: الرقائق، باب: القصد والمداومة على العمل (٦٤٦٧).
التفسير المظهري
المظهري