وقد عرف من سبب النزول أن وجود الأموال والأولاد لأبي لبابة في بني قريظة هو الذي حمله على ملاينتهم.
٣- قوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
تنبيه على أن سعادات الآخرة خير من سعادات الدنيا لأنها أعظم شرفا، وأتم فوزا، وأخلد مدة وأثرا لأنها تبقى بقاء لا نهاية له، لذا وصف الله تعالى الأجر بالعظم.
٤- قال الرازي: يمكن الاستدلال بهذه الآية على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالزواج (النكاح) لأن الاشتغال بالنوافل يفيد الأجر العظيم عند الله، والاشتغال بالنكاح يفيد الولد، ويوجب الحاجة إلى المال، وذلك فتنة.
ولكن ذلك في تقديري حيث كان الإنسان في حال اعتدال، ثم لا شك بأن الزواج يساعد على التقوى والعفة.
تقوى الله وفضلها
[سورة الأنفال (٨) : آية ٢٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
المفردات اللغوية:
إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ التقوى: هي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات وسميت بذلك لأنها تقي العبد من النار. فُرْقاناً نصرا ونجاة، تنجون مما تخافون، وسمي بذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين الكفر بإذلال حزبه والإسلام بإعزاز أهله، ومنه سمي يوم بدر في قوله تعالى:
يَوْمَ الْفُرْقانِ [الأنفال ٨/ ٤١] لأنه فصل بين الحق والباطل أو يجعل لكم بيانا وظهورا يشهر أمركم ويبث صيتكم وآثاركم في أقطار الأرض. ورأى بعض العلماء الجدد: أنه العلم الصحيح والحكم
الراجح أو نور البصيرة والهداية الذي يفرق به بين الحق والباطل، وقد أطلق هذا اللفظ على التوراة والإنجيل والقرآن، وغلب على الكتاب الأخير، قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان ٢٥/ ١].
والخلاصة: إن الفرقان: هو الفارق الفاصل بين الحق والباطل، وهذا تفسير أعم مما ذكر، ويستلزم ما ذكر، فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره، وفّق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته في الدنيا وسعادته في الآخرة، وإثابته الثواب الجزيل.
وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ تكفير الذنوب: محوها. وَيَغْفِرْ لَكُمْ غفرها: سترها عن الناس.
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ واسع الفضل عظيم العطاء، يعطي الثواب الجزيل.
المناسبة:
لما حذر الله تعالى من الفتنة بالأموال والأولاد، رغب في التقوى التي توجب ترك الميل والهوى في محبة الأموال والأولاد.
التفسير والبيان:
يا أيها المؤمنون المصدقون إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ باتباع أوامره واجتناب نواهيه، يجعل لكم فارقا بين الحق والباطل وهداية ونورا ينور قلوبكم، وهذا النور في العلم القائم على التقوى هو الحكمة في قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة ٢/ ٢٦٩] وهو المشار إليه أيضا في قوله عز وجل: وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ [الحديد ٥٧/ ٢٨].
فالمتقي الله يؤتيه فرقانا يميز به بين الرشد والغي وبين الحق والباطل وبين الإسلام الحق والكفر والضلال، ويكون بذلك ربانيا كما أمر الله بقوله:
وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ، وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران ٣/ ٧٩].
إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ أيضا يمح عنكم ذنوبكم وسيئاتكم السابقة، ويسترها عن الناس، ويؤتكم الثواب الجزيل، والله صاحب الفضل الواسع والعطاء العظيم،
ونظير الآية قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ، وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الحديد ٥٧/ ٢٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
تعددت الأوامر بالتقوى في القرآن الكريم، ولكن جاء الأمر هنا بلفظ الشرط لأنه تعالى خاطب العباد بما يخاطب بعضهم بعضا، فإذا اتقى العبد ربه- وذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه- وترك الشبهات مخافة الوقوع في المحرّمات، وشحن قلبه بالنية الخالصة، وجوارحه بالأعمال الصالحة، وتحفّظ من شوائب الشرك الخفي والظاهر، بمراعاة غير الله في الأعمال، والركون إلى الدنيا بالعفة عن المال، جعل له بين الحق والباطل فرقانا، قال ابن إسحاق:
فُرْقاناً: فضلا بين الحق والباطل، وقال السدي: نجاة، وقال الفرّاء:
فتحا ونصرا، وقيل: في الآخرة فيدخلكم الجنة، ويدخل الكفار النار.
والآية ذكرت ثلاثة أنواع من الجزاء على التقوى:
النوع الأول:
يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً: وهو يشمل جميع الفروق الحاصلة بين المؤمنين وبين الكفار، ففي الدنيا: يخص تعالى المؤمنين بالهداية والمعرفة، ويخص صدورهم بالانشراح كما قال: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ، فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر ٣٩/ ٢٢]، ويزيل الغل والحقد والحسد عن قلوبهم، والمكر والخداع عن صدورهم، ويخصهم بالعلو والفتح والنصر والظفر، كما قال: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون ٦٣/ ٨] وقال: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الصف ٦١/ ٩]. وأمر الفاسق والكافر بالعكس من ذلك.
وفي الآخرة: يكون الثواب والمنافع الدائمة والتعظيم من الله والملائكة.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي