يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم [ الأنفال : ٢٩ ].
تفسير المفردات : التقوى : ترك الذنوب والآثام، وفعل ما يستطاع من الطاعات والواجبات الدينية، وبعبارة أخرى : هي اتقاء ما يضر الإنسان في نفسه وفي جنسه، وما يحول بينه وبين المقاصد الشريفة والغايات الحسنة، والفرقان : أصله الفرق بين الشيئين أو الأشياء، ويراد به هنا نور البصيرة الذي به يفرق بين الحق وبالباطل والضار والنافع، وبعبارة ثانية : هو العلم الصحيح والحكم الرجيح، وقد أطلق هذا اللفظ على التوراة والإنجيل والقرآن وغلب على الأخير قال تعالى : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا [ الفرقان : ١ ] من قبل أن كلامه تعالى يفرق في العلم والاعتقاد بين الإيمان والكفر، والحق والباطل، والعدل والجور، والخير والشر.
المعنى الجملي : لما حذر الله تعالى من الفتنة بالأموال والأولاد، قفى على ذلك بطلب التقوى التي ثمرتها ترك الميل والهوى في محبة الأموال والأولاد.
الإيضاح : يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا أي إن تتقوا الله فتتبعوا أوامر دينه وتيسروا بمقتضى سننه في نظام خلقه يجعل لكم في نفوسكم ملكة من العلم تفرقون بها بين الحق والباطل، وتصلون بين الضار والنافع، وهذا النور في العلم الذي لا يصل إليه طالبه إلا بالتقوى هو الحكمة التي قال الله تعالى فيها يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب [ البقرة : ٢٦٩ ].
واتقاء الله يتحقق بمعرفة في الإنسان وحده أو فيه وهو في المجتمع الإنساني كما ترشد إلى ذلك آيات الكتاب الحكيم في مواضع متفرقة منه، ومن ثم كانت ثمرة التقوى حصول ملكة الفرقان التي بها يفرق صاحبها بين الأشياء التي تعرض له من علم وحكمة وعمل فيفصل فيها بين ما ينبغي فعله وما يجب تركه.
وعلى الجملة : فالمتقي لله يؤتيه الله فرقانا يميز به بين الرشد والغي، ومن ثم كان الخلفاء والحكام من الصحابة والتابعين من أعدل حكام الأمم في الأرض، حتى لقد قال بعض المؤرخين من الإفرنج، ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب.
ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم أي ويمح بسبب ذلك الفرقان وتأثيره ما كان من دنس الآثام في النفوس، فتزول منها داعية العودة إليها، ويغطيها فيسترها عليكم فلا يؤاخذكم بها، والله الذي يفعل ذلك بكم له الفضل العظيم عليكم وعلى غيركم من خلقه.
وفي قوله : والله ذو الفضل العظيم إيماء وتنبيه إلى أن ما وعد به المتقين من المثوبة فضل منه وإحسان تفضل به علينا واسطة وبدون التماس عوض.
تفسير المراغي
المراغي