وقيل المعنى: ولا تخونوا أماناتكم.
و" الأمانة " هاهنا: ما يُخفى عن أعين النَّاس من ترك فرائض الله، تعالى، وركوب معاصيه.
قوله: واعلموا أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ.
أي: اختباراً اختبرتم بها. وابتلاءً ابتليتم بها. لينظر كيف أنتم فيها عاملون.
وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ.
أي: جزاء وثواباً على طاعتكم.
قوله: يا أيها الذين ءامنوا إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً، إلى قوله: خَيْرُ الماكرين.
والمعنى: إن تتقوا الله في أداء فرائه، واجتناب معاصيه، وترك خيانته وخيانة رسول الله ﷺ: يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً، أي: فَصْلاً. وفرْقاً بين حقكم وباطل
مَنْ يبغيكم السوء، وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، أي: يمحها، وَيَغْفِرْ لَكُمْ. أي: يستتر لكم على ذنوبكم، والله ذُو الفضل العظيم، عليكم وعلى غيركم.
وقيل: فُرْقَاناً: مخرجاً.
وقيل: نجاةً.
وقيل: نصراً.
وقال ابن زيد معناه: يفرق في قلوبكم بين الحق والباطل حتى تعرفوه.
وقال مجاهد: مخرجاً من الضيق إلى السعة، ومن الباطل إلى الحق.
قوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ، الآية.
المعنى: واذكر، يا محمد إذ يمكر.
وهذه الآية تذكير للنبي ﷺ، بنعم الله تعالى عليه، الذين كَفَرُواْ: هم مشركو قريش.
قال [ابن عباس] معنى لِيُثْبِتُوكَ، أي: ليُوثِقُوك وليثقفوك.
وكذلك قال مجاهد: وقتادة. وذلك بمكة.
وقال السدي: لِيُثْبِتُوكَ: ليحبسوك ويوثقوك.
وقال ابن زيد، وابن جريج: ليحبسوك.
وقال ابن عباس: اجتمع نَفَرٌ من قريش من أشرافهم، في دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأَوْهُ قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نَجْد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولَنْ يَعْدَمَكم منِّي رأيٌّ ونُصْحٌ. قالوا: أجَل، ادخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في أمر هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره. فقال قائل منهم: احبسوه في وثَاق. ثم تربصوا به ريب
المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء. فصرخ عدو الله الشيخ النَّجدي وقال: والله، ما هذا بِرأْي، والله ليخرجنه رأيه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فمنعوه منكم، / فما آمنُ أنْ يخرجوكم من بلادكم، فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه. فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا برأي، ألْم تروا حلاوةَ قوله ولطافةَ لسانه، وأخْذَ القلوب لما يُسْمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ليستعرضن وليجمعن عليكم، ثم ليأتينَّ إليكم حتى يخرجكم من بلادكم، قالوا: صدق، قال أبو جهل: والله لأشيرنَّ عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه، قالوا: وما هو؟ قال: تأخذون من كل قبيلة غلاماً وسيطاً شاباً، ثم نعطي كل غلام منهم سيفاً صارماً، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل، فلا أظُنّ هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش، وأنَّهم إذا
صفحة رقم 2799
رأوا ذلك قَبِلوا العقل واسترحنا. فقال الشيخ النجدي: هذا والله هو الرأيُ، القول ما قال الفتى، فتفرقوا على ذلك، وأتى جبريل (النبيَّ) ﷺ، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم، ثم أمره بالخروج، فأنزل الله عليه بالمدينة: " الأنفال " يذكره نِعَمه عليه في قوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ، الآية.
فأنزل في قولهم " نتربص به حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء ": أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون [الطور: ٣٠].
وكان يسمى ذلك اليوم الذي اجتمعوا فيه " يوم الزحمة ".
ولما أجمعوا على ذلك باتوا يحرسونه ليوقعوا به بالغداة. فخرج النبي ﷺ، وأبو
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي