يقول الله جل وعلا : يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم ٢٩ [ الأنفال : الآية ٢٩ ] نادى الله المؤمنين في هذه الآية الكريمة باسم الإيمان، وبين لهم أنهم إن اتقوا الله فامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه أنه يجعل لهم بسبب ذلك فرقانا فيغفر لهم الذنوب ويكفر عنهم السيئات إن تتقوا الله أيها المؤمنون بامتثال أمره واجتناب نهيه يجعل لكم فرقانا روى ابن وهب وابن القاسم عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة ( رحمه الله ) أنه سئل عن قوله : إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا قال : معناه يجعل لكم مخرجا. وتلا قوله تعالى : ومن يثق الله يجعل له مخرجا [ الطلاق : الآية ٢ ] والعرب تسمي المخرج من الشيء : فرقانا. كأنه مصدر زيدت فيه الألف والنون ؛ لأن من كان في كرب من كروب الدنيا والآخرة وقد فارقه ووجد منه مخرجا كأنه وجد فارقا يفرق بينه وبينه ويفصل بينه وبينه. وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومن إطلاق الفرقان بمعنى المخرج قول الراجز :
| ما لك من طول الأسى فرقان | بعد قطين رحلوا وبانوا |
| وكيف أرجي الخلد والموت طالبي | ومالي من كأس المنية فرقان |
وقال بعض العلماء : فرقانا : نصرا وتأييدا ؛ لأن الله سمى يوم بدر :( يوم الفرقان ) في قوله : إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان [ الأنفال : الآية ٤١ ] لأنه يوم نصر فرق الله به بين الحق والباطل بأن نصر الفئة المؤمنة القليلة على الفئة الكافرة الكثيرة.
قال بعض العلماء : فرقانا : فتحا.
وقال بعض العلماء : يجعل الله لكم بسبب تقوى الله فرقانا، أي : علما تفرقون له بين الحق والباطل، والحسن والقبيح. والأقوال متقاربة. وتقوى الله ( جل وعلا ) كفيلة بكل خير من خيري الدنيا والآخرة. ويكفر عنكم سيئاتكم [ الأنفال : الآية ٢٩ ] مادة الكاف والفاء والراء في لغة العرب أصل معناها : الستر والتغطية. فمعنى : يكفر عنكم سيئاتكم أي : يسترها ويغطيها بحلمه وعفوه حتى لا يظهر لها أثر تتضررون به ويغفر لكم كذلك الغفران معناه أيضا : الستر والتغطية ؛ لأنه ( جل وعلا ) يغفر الذنوب، أي : يسترها ويغطيها. فالتعبير بالتكفير والغفران كلاهما معناه ستر الذنوب وتغطيتها حتى لا يظهر لها أثر. وفي ذلك التوكيد من الترغيب في التقوى ما لا يخفى، والله جل وعلا ذو الفضل العظيم ففضله عظيم، ومن فضله ما تفضل عليكم به، وما نصركم به يوم بدر، وغير ذلك من فضله وإنعامه العظيم. قال بعض علماء التفسير : هذه الآية الكريمة من سورة الأنفال هي التي نزلت فيها توبة الله على أبي لبابة لما قال ما قال لبني قريظة، وجاء تائبا إلى الله نادما، وربط نفسه في سارية من سواري هذا المسجد الكريم، وحلف أن لا يأكل ولا يشرب حتى يموت أو يتوب الله عليه، وأغشي عليه بعد سبع فتاب الله عليه، قالوا : هذه فيها توبته ؛ لأنه اتقى الله بالندم على ما فات، والإقلاع، وربطه نفسه، واعترافه بالزلة، فجعل الله له من زلته في بني قريظة فرقانا، أي : مخرجا أخرجه به من مأزق الذنب. وتاب عليه ( جل وعلا )، هكذا قاله بعض العلماء والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله : إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم [ الأنفال : الآية ٢٩ ] فضله عظيم على خلقه إذ يتفضل عليهم بخيرات الدنيا والآخرة.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير