ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ

أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَأُمَّيَّةُ بْنُ خلف، وأضرابهم.
[٣١]
[سُورَة الْأَنْفَال (٨) : آيَة ٣١]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)
انْتِقَالٌ إِلَى ذِكْرِ بُهْتَانٍ آخَرَ مِنْ حِجَاجِ هَؤُلَاءِ الْمُشْركين، لم تزل آيَاتُ هَذِهِ السُّورَةِ يَتَخَلَّلُهَا أَخْبَارُ كُفْرِهِمْ مِنْ قَوْلِهِ: وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ [الْأَنْفَال: ٧]- وَقَوله-لِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
[الْأَنْفَال: ١٣]- وَقَوْلِهِ- فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [الْأَنْفَال: ١٧]-
وَقَوْلِهِ- وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [الْأَنْفَال: ٢١]- ثُمَّ بِقَوْلِهِ- وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الْأَنْفَال: ٣٠].
وَهَذِهِ الْجُمَلُ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ [الْأَنْفَال: ٢٣].
وَهَذَا الْقَوْلُ مَقَالَةُ الْمُتَصَدِّينَ لِلطَّعْنِ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُحَاجَّتِهِ، وَالتَّشْغِيبِ عَلَيْهِ:
مِنْهُمُ النَّضْرُ بن الْحَارِث، وطعمية بْنُ عَدِيٍّ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ.
وَمَعْنَى قَدْ سَمِعْنا: قَدْ فَهِمْنَا مَا تَحْتَوِي عَلَيْهِ، لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَهَا وَإِنَّمَا اهْتَمُّوا بِالْقَصَصِ وَلَمْ يَتَبَيَّنُوا مَغْزَاهَا وَلَا مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْآدَابِ وَالْحَقَائِقِ، فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [الْأَنْفَال: ٢١] أَيْ لَا يَفْقَهُونَ مَا سَمِعُوا.
وَمِنْ عَجِيبِ بُهْتَانِهِمْ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحَدَّاهُمْ بِمُعَارَضَةِ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ وَأُفْحِمُوا، ثُمَّ اعْتَذَرُوا بِأَنَّ مَا فِي الْقُرْآنِ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ وَأَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ ذَلِكَ- قِيلَ: قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، كَانَ رَجُلًا مِنْ مَرَدَةِ قُرَيْشٍ وَمِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْأَسْفَارِ إِلَى الْحِيرَةِ وَإِلَى أَطْرَافِ بِلَادِ الْعَجَمِ فِي تِجَارَتِهِ، فَكَانَ يَلْقَى بِالْحِيرَةِ نَاسًا مِنَ الْعِبَادِ (بِتَخْفِيفِ الْبَاءِ اسْمُ طَائِفَةٍ مِنَ النَّصَارَى) فَيُحَدِّثُونَهُ مِنْ أَخْبَارِ الْإِنْجِيلِ وَيَلْقَى مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَنْقُلُ أُسْطُورَةَ حُرُوبِ (رستم) و (أسفنديار) (١) مِنْ مُلُوكِ الْفُرْسِ فِي قَصَصِهِمُ الْخُرَافِيِّ،
_________
(١) سفندياذ بِهَمْزَة قطع مَكْسُورَة، فسين مُهْملَة سَاكِنة، ففاء أُخْت الْقَاف وَقد يكْتب بباء مُوَحدَة عوض الْفَاء لِأَن الْبَاء الفارسية منطقها بَين الْبَاء وَالْفَاء الْعَرَبيَّة فكثيرا مَا تعرب بِالْفَاءِ وبالباء وَهِي مَفْتُوحَة وَبَعْضهمْ يضبطها بِالْكَسْرِ، ثمَّ دَال مُهْملَة مَكْسُورَة، فتحتية، وَآخره ذال مُعْجمَة كَذَا نطق بِهِ الْعَرَب وَكَذَلِكَ كتب فِي «تَفْسِير ابْن عَطِيَّة»، وَهُوَ فِي العجمية برَاء فِي آخِره قَالَه التَّفْتَازَانِيّ فِي «شرح الْكَشَّاف».
قلت: وَهُوَ فِي «الْكَشَّاف» وَفِي «سيره ابْن هِشَام» بالراء وَهُوَ إسفنديار بن (كشتاسب) من العائلة الكيانيين من مُلُوك الْفرس لِأَن أَسمَاء مُلُوكهَا مفتتحه بِكَلِمَة (كي) أَوَّلهمْ (كيقباذ) وَفِي زمن (كشتاسب) ظهر (زرادشت) صَاحب الدّيانَة الشهيرة فِي الْفرس قبل الْإِسْلَام، وأخبار حروب إسفنديار مَعَ رستم وَكلهمْ من مُلُوك الطوائف بِفَارِس وَكَانَ رستم ملك بِلَاد التّرْك.

صفحة رقم 329

وَإِنَّمَا كَانَتْ تِلْكَ الْأَخْبَارُ تُتَرْجَمُ لِلْعَرَبِ بِاللِّسَانِ وَيَسْتَظْهِرُهَا قُصَّاصُهُمْ وَأَصْحَابُ النَّوَادِرِ مِنْهُمْ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ أَنَّ تِلْكَ الْأَخْبَارَ كَانَتْ مَكْتُوبَةً بِالْعَرَبِيَّةِ، فِيمَا أَحْسَبُ، إِلَّا مَا وَقَعَ فِي «الْكَشَّافِ» أَنَّ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ جَاءَ بِنُسْخَةٍ مِنْ خَبَرِ (رُسْتُمَ) وَ (إِسْفَنْدِيَاذَ) وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ تِلْكَ الْأَخْبَارِ
مَكْتُوبًا بِالْعَرَبِيَّةِ كَتَبَهَا الْقَصَّاصُونَ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ وَالْأَنْبَارِ تَذْكِرَةً لِأَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّمَا هِيَ أَخْبَارٌ لَا حِكْمَةَ فِيهَا وَلَا مَوْعِظَةَ، وَقَدْ أَطَالَ فِيهَا الْفِرْدَوْسِيُّ فِي كِتَابِ «الشَّاهْنَامِهْ» تَطْوِيلًا مُمِلًّا عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْقَصَصِ، وَقَالَ الْفَخْرُ: اشْتَرَى النَّضْرُ مِنَ الْحِيرَةَ أَحَادِيثَ كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ، وَكَانَ يَقْعُدُ مَعَ الْمُسْتَهْزِئِينَ وَالْمُقْتَسِمِينَ وَهُوَ مِنْهُمْ فَيَقْرَأُ عَلَيْهِمْ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ، فَإِسْنَادُ قَوْلِ النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ إِلَى جَمَاعَةِ الْمُشْرِكِينَ: مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُؤَيِّدُونَهُ وَيَحْكُونَهُ وَيُحَاكُونَهُ، وَيَحْسَبُونَ فِيهِ مَعْذِرَةٌ لَهُمْ عَنِ الْعَجْزِ الَّذِي تَلَبَّسُوا بِهِ فِي مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ نَفَّسَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْأُغْلُوطَةِ، فَإِذَا كَانَ الَّذِي ابْتَكَرَهُ هُوَ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ تَصْدُرَ أَمْثَالُ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ أَمْثَالِهِ وَأَتْبَاعِهِ، فَمِنْ ضِمْنَهُمْ مَجْلِسُهُ الَّذِي جَاءَ فِيهِ بِهَذِهِ النزاقة.
وَقَوْلُهُمْ: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذَا إِيهَامٌ بِأَنَّهُمْ تَرَفَّعُوا عَنْ مُعَارَضَتِهِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ شَاءُوا لَنَقَلُوا مِنْ أَسَاطِيرِ الْأَوَّلِينَ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ مَا يُوَازِي قَصَصَ الْقُرْآنِ وَهَذِهِ وَقَاحَةٌ، وَإِلَّا فَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ يَشَاءُوا مُعَارَضَةَ مَنْ تَحَدَّاهُمْ وَقَرَّعَهُمْ بِالْعَجْزِ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [الْبَقَرَة:
٢٤] مَعَ تَحَيُّزِهِمْ وَتَأَمُّرِهِمْ فِي إِيجَادِ مَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُونَ بِهَا عَنِ الْقُرْآنِ وَإِعْجَازِهِ إِيَّاهُمْ وَتَحَدِّيهِ لَهُمْ، وَمَا قَالَهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فِي أَمر الْقُرْآن.

صفحة رقم 330

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية