١٥٩٧٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا"، قال: هذه مكية= قال: ابن جريج، قال مجاهد: هذه مكية. (١)
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: واذكر، يا محمد، نعمتي عندك، بمكري بمن حاول المكرَ بك من مشركي قومك، بإثباتك أو قتلك أو إخراجك من وطنك، حتى استنقذتك منهم وأهلكتهم، فامض لأمري في حرب من حاربك من المشركين، وتولى عن إجابة ما أرسلتك به من الدين القيم، ولا يَرْعَبَنَّك كثرة عددهم، فإن ربّك خيرُ الماكرين بمن كفر به، وعبد غيره، وخالف أمره ونهيه.
* * *
وقد بينا معنى "المكر" فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (٢)
القول في تأويل قوله: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٣١)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واذا تتلى على هؤلاء الذين كفروا آياتِ كتاب الله الواضحةَ لمن شرح الله صدره لفهمه (٣) =، قالوا جهلا منهم، وعنادًا للحق، وهم يعلمون أنهم كاذبون في قيلهم= "لو نشاء لقلنا مثل هذا"،
(٢) انظر تفسير " المكر " فيما سلف ١٢: ٩٥، ٩٧، ٥٧٩ ١٣: ٣٣، ٤٩١.
(٣) انظر تفسير " التلاوة " فيما سلف ص: ٣٨٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.
الذي تُلِي علينا= "إن هذا إلا أساطير الأولين"، يعني: أنهم يقولون: ما هذا القرآن الذي يتلى عليهم إلا أساطير الأولين.
و"الأساطير" جمع "أسطر"، وهو جمع الجمع، لأن واحد "الأسطر" "سطر"، ثم يجمع "السطر"، "أسطر" و"سطور"، ثم يجمع "الأسطر" "أساطير" و"أساطر". (١)
وقد كان بعضُ أهل العربية يقول: واحد "الأساطير"، "أسطورة".
* * *
وإنما عنى المشركون بقولهم: "إن هذا إلا أساطير الآولين"، إنْ هذا القرآن الذي تتلوه علينا، يا محمد، إلا ما سطَّره الأولون وكتبوه من أخبار الأمم! كأنهم أضافوه إلى أنه أخذ عن بني آدم، وأنه لم يوحِه الله إليه.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٩٧٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: "وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا"، قال: كان النضر بن الحارث يختلف تاجرًا إلى فارس، فيمرّ بالعِباد وهم يقرأون الإنجيل ويركعون ويسجدون. (٢) فجاء مكة، فوجد محمدًا ﷺ قد أنزل عليه وهو يركع ويسجد، فقال النضر: "قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا! "، للذي سَمِع من العباد. فنزلت: "وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد
(٢) " العباد "، قوم من قبائل شتى من بطون العرب، اجتمعوا على النصرانية قبل الإسلام، فأنفوا أن يسموا بالعبيد، فقالوا: " نحن العباد "، ونزلوا بالحيرة. فنسب إلى " العباد "، ومنهم عدى بن يزيد العبادي الشاعر.
سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا"، قال: فقص ربُّنا ما كانوا قالوا بمكة، وقص قولهم: إذ قالوا: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك"، الآية.
١٥٩٧٨ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كان النضر بن الحارث بن علقمة، أخو بني عبد الدار، يختلف إلى الحيرة، فيسمع سَجْع أهلها وكلامهم. فلما قدم مكة، سمع كلام النبي ﷺ والقرآن، فقال: "قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إنْ هذا إلا أساطير الأولين"، يقول: أساجيع أهل الحيرة. (١)
١٥٩٧٩ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قتل النبيُّ من يوم بدر صبرًا: عقبةَ بن أبي معيط، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث. وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله، قال المقداد: يا رسول الله، أسيري! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول! فأمر النبي ﷺ بقتله، فقال المقداد: أسيري! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: واللهم اغْنِ المقداد من فضلك! " فقال المقداد: هذا الذي أردت! وفيه نزلت هذه الآية: "وإذا تتلى عليهم آياتنا"، الآية.
١٥٩٨٠- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير: أن رسول الله ﷺ قَتل يوم بدر ثلاثة رهط من قريش صبرًا: المطعم بن عديّ، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط. قال: فلما أمر بقتل النضر، قال المقداد بن الأسود: أسيري، يا رسول الله! قال: إنه كان يقول في كتاب الله وفي رسوله ما كان يقول! قال: فقال ذلك مرتين أو ثلاثًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغْن المقداد من فضلك! وكان المقداد أسر النضر. (٢)
(٢) الأثر: ١٥٩٨٠ - هكذا جاء في رواية هذا الخبر " المطعم بن عدي "، مكان " طعيمة بن عدى "، وكأنه ليس خطأ من الناسخ، لأن ابن كثير في تفسيره ٤: ٥١، قال: " وهكذا رواه هشيم، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير أنه قال: المطعم بن عدي، بدل طعيمة. وهو غلط، لأن المطعم بن عدي لم يكن حيًا يوم بدر، ولهذا قال رسول الله ﷺ يومئذ: لو كان المطعم بن عدي حيًا، ثم سألني في هؤلاء النتنى، لوهبتهم له! يعني الأسارى، لأنه كان قد أجار رسول الله ﷺ يوم رجع من الطائف ". وانظر التعليق على رقم: ١٥٩٨١.
جامع البيان في تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري
أحمد شاكر