وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ الجَزَري، عَنْ مِقْسَم مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ قَالَ: تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَصْبَحَ فَأَثْبِتُوهُ بِالْوِثَاقِ -يُرِيدُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ اقْتُلُوهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أَخْرِجُوهُ. فَأَطْلَعُ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَى ذَلِكَ، فَبَاتَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (١) حَتَّى لَحِقَ بِالْغَارِ، وَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا يَحْسَبُونَهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَارُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَوْا عَلِيًّا رَدَّ اللَّهُ تَعَالَى مَكْرَهُمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ صَاحِبُكَ هَذَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. فَاقْتَصَّا (٢) أَثَرَهُ، فَلَمَّا بَلَغُوا الْجَبَلَ اخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ، فَصَعَدُوا فِي الْجَبَلِ فَمَرُّوا بِالْغَارِ، فَرَأَوْا عَلَى بَابِهِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ، فَقَالُوا: لَوْ دَخَلَ هَاهُنَا لَمْ يَكُنْ نَسْجُ الْعَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِهِ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ (٣)
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ فِي قَوْلِهِ: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ أَيْ: فَمَكَرْتُ بِهِمْ بِكَيْدِيَ الْمَتِينِ، حَتَّى خَلَّصْتُكَ مِنْهُمْ.
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ كُفْرِ قُرَيْشٍ وعُتُوِّهم وتمرُّدهم وَعِنَادِهِمْ، وَدَعْوَاهُمُ الْبَاطِلَ عِنْدَ سَمَاعِ آيَاتِهِ حِينَ تُتْلَى عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا وَهَذَا مِنْهُمْ قَوْلٌ لَا فِعْلٌ، وَإِلَّا فَقَدَ تُحُدُّوا غَيْرَ مَا مَرَّةٍ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فَلَا يَجِدُونَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا. وَإِنَّمَا هَذَا قَوْلٌ مِنْهُمْ يَغُرّون بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْقَائِلَ لِذَلِكَ هُوَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ -لَعَنَهُ اللَّهُ -كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، والسُّدِّيّ، وَابْنُ جُرَيج وَغَيْرُهُمْ؛ فَإِنَّهُ -لَعَنَهُ اللَّهُ -كَانَ قَدْ ذَهَبَ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ، وَتَعَلَّمَ مِنْ أَخْبَارِ مُلُوكِهِمْ رُسْتم وَاسْفَنْدِيَارَ، وَلَمَّا قَدِمَ وَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَعَثَهُ اللَّهُ، وَهُوَ يَتْلُو عَلَى النَّاسِ الْقُرْآنَ، فَكَانَ إِذَا قَامَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (٤) مِنْ مَجْلِسٍ، جَلَسَ فِيهِ النَّضْرُ فَيُحَدِّثُهُمْ مِنْ أَخْبَارِ أُولَئِكَ، ثُمَّ يَقُولُ: بِاللَّهِ أَيُّهُمَا أَحْسَنُ قَصَصًا؟ أَنَا أَوْ مُحَمَّدٌ؟ وَلِهَذَا لَمَّا أَمْكَنَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ يَوْمَ بَدْرٍ وَوَقَعَ فِي الْأُسَارَى، أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُضْرَبَ رَقَبَتُهُ صَبْرًا بَيْنَ يَدَيْهِ، ففُعل ذَلِكَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَكَانَ الَّذِي أسره المقداد بن
(٢) في د، ك، م: "فاقتصوا".
(٣) المسند (١/٣٤٨) قال الهيثمي في المجمع (٧/٢٧) :"فيه عثمان بن عمرو الجزري وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح".
(٤) في ك، د: "عليه السلام".
الْأَسْوَدِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بشَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَة، عَنْ أَبِي بِشْر، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: قَتَل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْط وطُعَيْمة بْنَ عَدِي، وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ. وَكَانَ الْمِقْدَادُ أَسَرَ النَّضْرَ، فَلَمَّا أَمَرَ بِقَتْلِهِ، قَالَ الْمِقْدَادُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسِيرِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، مَا يَقُولُ". فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ (١) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ الْمِقْدَادُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسِيرِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ أَغْنِ الْمِقْدَادَ مِنْ فَضْلِكَ". فَقَالَ الْمِقْدَادُ: هَذَا الَّذِي أَرَدْتُ. قَالَ: وَفِيهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٢)
وَكَذَا رَوَاهُ هُشَيْم، عَنْ أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيّة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر؛ أَنَّهُ قَالَ: "الْمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ" "بَدَلَ طُعَيْمَةَ" (٣) وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الْمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ لَمْ يَكُنْ حَيًّا يَوْمَ بَدْرٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ: "لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ (٤) حَيًّا، ثُمَّ سَأَلَنِي (٥) فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى (٦) لَوَهَبْتُهُمْ لَهُ" (٧) -يَعْنِي: الْأُسَارَى -لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَجَارَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ رَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ.
وَمَعْنَى: أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ وَهُوَ جَمْعُ أُسْطُورَةٍ، أَيْ: كُتُبُهُمُ اقْتَبَسَهَا، فَهُوَ يَتَعَلَّمُ مِنْهَا وَيَتْلُوهَا عَلَى النَّاسِ. وَهَذَا هُوَ الْكَذِبُ الْبَحْتُ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا قُلْ أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [الْفُرْقَانِ: ٥، ٦]. أَيْ: لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ؛ فَإِنَّهُ يَتَقَبَّلُ مِنْهُ وَيَصْفَحُ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ هَذَا مِنْ كَثْرَةِ جَهْلِهِمْ وعُتُوِّهم وَعِنَادِهِمْ وَشِدَّةِ تَكْذِيبِهِمْ، وَهَذَا مِمَّا عِيبُوا بِهِ، وَكَانَ الْأَوْلَى لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: "اللَّهُمَّ، إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَاهْدِنَا لَهُ، وَوَفِّقْنَا لِاتِّبَاعِهِ". وَلَكِنِ اسْتَفْتَحُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَاسْتَعْجَلُوا الْعَذَابَ، وَتَقْدِيمَ الْعُقُوبَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [الْعَنْكَبُوتِ: ٥٣]، وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ص: ١٦]، سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ [الْمَعَارِجِ: ١-٣]، وَكَذَلِكَ قَالَ الْجَهَلَةُ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، كَمَا قَالَ قَوْمُ شُعَيْبٍ لَهُ: فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشُّعَرَاءِ: ١٨٧]، وَقَالَ هَؤُلَاءِ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
(٢) تفسير الطبري (١٣/٥٠٤).
(٣) تفسير الطبري (١٣/٥٠٤).
(٤) في د، ك، م، أ: "المطعم بن عدي".
(٥) في ك: "وسألني".
(٦) في أ: "السبى".
(٧) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣١٣٩) من حديث جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قَالَ شُعْبَة، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: هُوَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّمِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ فَنَزَلَتْ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ الْآيَةَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ وَمُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ، كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيد اللَّهِ بْنُ مُعَاذ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهِ (١)
وَأَحْمَدُ هَذَا هُوَ: أَحْمَدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ. قَالَهُ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ، وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ قَالَ: هُوَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعْ لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِع [الْمَعَارِجِ: ١-٢] وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالسُّدِّيُّ: إِنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ -زَادَ عَطَاءٌ: فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِالْحِسَابِ [ص: ١٦] وَقَالَ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الْأَنْعَامِ: ٩٤] وَقَالَ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ [الْمَعَارِجِ: ١، ٢]، قَالَ عَطَاءٌ: وَلَقَدْ أُنْزِلَ فِيهِ بِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ ابْنُ مُرْدُوَيْه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلة، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَاقِفًا يَوْمَ أُحُد عَلَى فَرَسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، فَاخْسِفْ بِي وَبِفَرَسِي".
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ الْآيَةَ، قَالَ: قَالَ ذَلِكَ سَفَهَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَجَهَلَتُهَا (٢) فَعَادَ اللَّهُ بِعَائِدَتِهِ وَرَحْمَتِهِ عَلَى سَفَهَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَجَهَلَتِهَا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمة بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي زُمَيْل سِمَاك الْحَنَفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ (٣) فَيَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَدْ قَدْ"! وَيَقُولُونَ: لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. وَيَقُولُونَ: غُفْرَانَكَ، غُفْرَانَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ فِيهِمْ أَمَانَانَ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالِاسْتِغْفَارُ، فَذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبقي الاستغفار (٤)
(٢) في ك: "وجهلها".
(٣) في أ: "لك لبيك".
(٤) ورواه الطبري في تفسير (١٣/٥١١) من طريق أبي حذيفة موسى بن مسعود به.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَر، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَان وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَا قَالَتْ قُرَيْشٌ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ: مُحَمَّدٌ أَكْرَمُهُ اللَّهُ مِنْ بَيْنِنَا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ فَلَمَّا أَمْسَوْا نَدِمُوا عَلَى مَا قَالُوا، فَقَالُوا: غُفْرَانَكَ اللَّهُمَّ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: وَمَا كَانَ اللَّهُ [لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ] مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١) إِلَى قَوْلِهِ: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الْأَنْفَالِ: ٣٤].
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ يَقُولُ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ قَوْمًا وَأَنْبِيَاؤُهُمْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ يَقُولُ: وَفِيهِمْ مَنْ قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ الدخولُ فِي الْإِيمَانِ، وَهُوَ الِاسْتِغْفَارُ -يَسْتَغْفِرُونَ، يَعْنِي: يُصَلُّونَ -يَعْنِي بِهَذَا أَهْلَ مَكَّةَ.
وَرُوِيَ عَنْ مُجاهد، وعِكْرِمَة، وَعَطِيَّةَ العَوْفي، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، والسُّدِّيّ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَأَبُو مَالِكٍ: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ عَرَبي [قَالَ] (٢) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَمَانَيْنِ لَا يَزَالُونَ مَعْصُومِينَ مُجَارِينَ مِنْ قَوَارِعِ الْعَذَابِ مَا دَامَا بَيْنَ أَظْهُرِهُمْ: فَأَمَانٌ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَأَمَانٌ بَقِيَ فِيكُمْ، قَوْلُهُ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
قَالَ (٣) أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، أَنَّ النَّضْرَ بْنَ عَرَبِيٍّ حَدَّثَهُ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُوَيه وَابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ نَحْوًا مِنْ هَذَا (٤) وَكَذَا رُوي عَنْ قَتَادَةَ وَأَبِي الْعَلَاءِ النَّحْوِيِّ الْمُقْرِئِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنْزَلَ اللَّهُ عليَّ أَمَانَيْنِ لِأُمَّتِي: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ فَإِذَا مَضَيْتُ، تركتُ فِيهِمُ الِاسْتِغْفَارَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (٥)
وَيَشْهَدُ لِهَذَا (٦) مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم
(٢) زيادة من د، ك، م، أ.
(٣) في ك: "وقال".
(٤) تفسير الطبري (١٣/٥١٣).
(٥) سنن الترمذي برقم (٣٠٨٢) وقال الترمذي: "هذا حديث غريب، وإسماعيل بن مهاجر يضعف في الحديث.
(٦) في أ: "لصحة هذا".
قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعَزَّتِكَ يَا رَبِّ، لَا أَبْرَحُ أغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ. فَقَالَ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي".
ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ (١)
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا رِشْدِين -هُوَ ابْنُ سَعْدٍ -حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ سَعْدٍ التُّجيبي، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ فَضَالة بْنِ عُبَيد، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "الْعَبْدُ آمِنٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَا استغفر الله، عز وجل" (٢)
(٢) المسند (٦/٢٠).
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة