تفسير المفردات : الأساطير : واحدها أسطورة كأرجوحة وأراجيح وأحدوثة وأحاديث وهي الأقاصيص التي سطرت في الكتب بدون تمحيص ولا تثبت من صحتها. وفي القاموس : الأساطير : الأحاديث لا نظام لها واحد إسطار وإسطير وبالهاء في الكل، وأصل السطر الصف من الشيء كالكتاب والشجر اه.
المعنى الجملي : لما ذكر المؤمنين عامة بنعمه عليم بقوله : واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ذكر هنا نعمه على رسوله خاصة بدفع كيد المشركين ومكر الماكرين بنصره عليهم وخيبة مسعاهم في إيقاع الأذى به بعد أن تآمروا عليه وقطعوا برأي معين فيه.
الإيضاح : وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا أي وإذا تتلى على هؤلاء الذين كفروا آيات الله الواضحة لمن شرح الله صدره لفهمه قالوا جهلا منهم وعنادا للحق وهم يعلمون أنهم كاذبون : لو نشاء لقلنا مثل الذي تلى علينا، وقد نسب هذا القول إلى النضر بن الحارث من بني عبد الدار وكان يختلف إلى أرض فارس فيسمع أخبارهم عن رستم واسفنديار وكبار العجم، ويمر باليهود والنصارى فيسمع منهم التوراة والإنجيل.
ثم عللوا هذه الدعوة الكاذبة بما هو أصرح منها في الكذب فقالوا :
إن هذا إلا أساطير الأولين أي إن أخبار القرآن عن الرسل وأقوامهم تشبه قصص أولئك الأم، فهم يستطيعون أن يأتوا بمثلها فما هي من خبر الغيب الدال على أنه وحي من الله.
وقد يكون النضر أول من قال هذه الكلمة فقلده فيها غيره، ولكنهم لم يكونوا يعتقدون أنها أساطير مختلقة وأن محمدا هو الذي افتراها، إذ لم يكونوا يتهمونه بالكذب كما قال تعالى : فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون [ الأنعام : ٣٣ ]. ونحو الآية قوله : وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا [ الفرقان : ٥ ] وهم ما كانوا يعتقدون صدق هذه المقالة، لأنهم يعلمون أنه أمي لا يتعلم شيئا، بل قالوا ذلك ليصدوا العرب عن القرآن وقد كذبهم الله فيه فما استطاعوا له إثباتا.
وقد روى أن النضر هو الذي أنزل فيه ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا [ لقمان : ٦ ] فقد اشترى قينة جميلة تغني الناس بأخبار الأمم لصرفهم عن سماع القرآن، وهذا منتهى الجحود والعناد.
وقد كان زعماء قريش كالنضر بن الحارث وأبي جهل والوليد بن المغيرة يتواصون بالإعراض عن سماع القرآن ويمنعون الناس عنه، ثم يختلفون أفرادا إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم ليلا يستمعون إليه ويعجبون منه ومن تأثيره وسلطانه على القلوب حتى قال الوليد بن المغيرة كلمته المشهورة : إنه يعلو ولا يعلى عليه، وإنه يحطم ما تحته، فخافوا أن تسمعها العرب وما زالوا يلحون عليه ليقول كلمة منفّرة فقال : إن هذا إلا سحر يؤثر [ المدثر : ٢٤ ].
تفسير المراغي
المراغي