ثم قال تعالى : وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ٣٢ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ٣٣ [ الأنفال : الآيتان ٣٢، ٣٣ ] ثبت في صحيح مسلم والبخاري من حديث أنس بن مالك أن قائل هذه المقالة : أبو جهل – لعنه الله- عمرو بن هشام بن المغيرة. والأكثرون من المفسرين يقولون : إن قائل هذه المقالة : النضر بن الحارث. وهذا الدعاء هو العذاب الأليم المذكور في أول سورة المعارج سورة سأل سائل سأل سائل بعذاب أي : دعا داع بعذاب واقع ١ للكافرين [ المعارج : الآيتان ١، ٢ ] قالوا : هو قوله : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم [ الأنفال : الآية ٣٢ ]. ولن يعقل أحمق من قريش حيث قالوا : إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة . ولو كانوا في مرتبة أدنى العقلاء لقالوا : إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ! ! زعم بعضهم : أن يهوديا مر بابن عباس وقال له : أنت من قريش ؟ ! قال : نعم. قال : إن قومك من اجهل خلق الله حيث قالوا : إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ولم يقولون : فاهدنا إليه ! ! فقال له ابن عباس : وكذلك قومك أنت من اجهل خلق الله فأنهم وأرجلهم بها بلل البحر الذي أنقذهم الله منه وأهلك به عدوهم – قالوا في ذلك الوقت لنبيهم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فقال نبيهم : إنكم قوم تجهلون [ الأعراف : الآية ١٣٨ ] فسكت اليهودي مفحما. وعلى كل حال من يقول مقالة قريش هذا فهو من أجهل خلق الله، وأشدهم تمردا وعتوا على الله.
وقوله : فأمطر علينا حجارة من السماء ذكروا عن سفيان بن عيينة أنه ما جاء في القرآن العظيم المطر إلا بمعنى العذاب. أما الماء النازل قال : فإن العرب تقول له الغيث. كما قال تعالى : وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا [ الشورى : الآية ٢٨ ] واستدرك عليه بعض العلماء، قال : في سورة النساء كلمة أطلق فيها المطر على النازل من السماء وهي قوله : إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى [ النساء : الآية ١٠٢ ].
ومعنى : فأمطر علينا حجارة . معناه : أنزلها من السماء متتابعة كما ينزل المطر، وهي حجارة السجيل التي تنزل من السماء محماة بالنار في غاية الحرارة. والحجارة : جمع حجر، وجمع ( فعل ) على ( فعالة ) موجود في أوزان قليلة، كحجر وحجارة، وجمل وجمالة، وذكر وذكارة. وهذا الجمع وجوده قليل، وهو من جموع الكثرة.
من السماء تكون هذه الحجارة نازلة من السماء، وذلك مفهوم من قوله : فأمطر إلا أن هذا النوع من التوكيد أسلوب عربي معروف كثير في القرآن وفي كلام العرب، كقوله : ولا طائر يطير بجناحيه [ الأنعام : الآية ٣٨ ] معلوم أنه لا يطير إلا بجناحيه وقوله : يكتبون الكتاب بأيديهم [ البقرة : الآية ٧٩ ] ومعلوم أنه لا يكتبونه إلا بأيديهم. إنما يأكلون في بطونهم [ النساء : الآية ١٠ ] وهم لا يأكلون إلا في بطونهم. وكذلك قوله : فأمطر علينا قوله : من السماء مع أنه لا مطر إلا من السماء.
وهذا معنى قوله : فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم قرأه بعضهم بتسهيل الهمزة الثانية، وبعضهم بتحقيقها، وبعضهم بإبدالها ياء. وكلها قراءات معروفة. وهذا معنى قوله : أو ائتنا بعذاب أليم [ الأنفال : الآية ٣٢ ] أي : مؤلم شديد الألم.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير