تمهيد
بعد أن عدد الله على المسلمين فيما سبق من الآيات، ما فضل عليهم به من النعم العامة، أنزل على نبيه : وإذ يمكر بك الذين كفروا... ، ليذكره – صلى الله عليه وسلم – بنعمته عليه في خاصة نفسه، إذ نجاه من تآمر قريش عليه وتبييتهم نية الغدر في دار الندوة.
قصة المؤامرة
لما سمعت قريش بإسلام الأنصار، ومبايعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ خافوا أن يعظم أمره وتقوى شوكته فاجتمعوا في دار الندوة يتشاورون في أمر، فدخل إبليس عليهم في صورة شيخ، وقال، أنا شيخ من نجد، دخلت مكة، فسمعت باجتماعكم، فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأيا ونصحا.
فقال أبو البختري : رأيي أن تحبسوا محمدا في بيت، وتشدوا وثاقة، وتسدوا بابه، غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه منها، وتتربصوا به ريب المنون، فقال إبليس : بئس الرأي، يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم.
فقال هشام بن عمرو : رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم، فلا يضركم ما صنع واسترحتم، فقال إبليس : بئس الرأي، يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم.
فقال أبو جهل : أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما، وتعطوه سيفا، فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلها، فإذا طلبوا العقل أي : الدية ؛ عقلناه واسترحنا، فقال إبليس : صدق هذا الفتى، هو أجودكم رأيا ؛ فتفرقوا على رأي أبي جهل، مجتمعين على قتله فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره ألا يبيت في مضجعه، وأذن له الله في الهجرة، فأمر عليا فنام في مضجعه، وقال له : اتشح ببردتي، فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه، ودعا الله أن يعمى عليهم أثره، وباتوا مترصدين، ولكن الله طمس على بصيرتهم ؛ فخرج ولم يروه، فلما أصبحوا ساروا إلى مضجعه، فأبصروا عليا، فبهتوا.
وخيب الله سعيهم وخرج هو مع أبي بكر رضي الله عنه إلى الغار بعد أن دفعا راحلتيهما إلى عبد الله بن أريقط، وكان دليلا هاديا حاذقا بالطريق، واستأجراه ليدلهما على طريق المدينة، وواعداه أن يوافيهما عند غار ثور بعد ثلاث ليال، ولما علمت قريش بخروج النبي صلى الله عليه وسلم، جعلت تطلبه بقائف معروف يقفوا الأثر، ومضى برحالهم حتى وقف على الغار، فقال : هنا انقطع الأثر، فنظروا فإذا بالعنكبوت قد نسج على فم الغار، فأيقنوا أن لا أحد فيه، فرجعوا، وجعلوا في النبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة، لمن يرجع به عليهم، ولما سمع أبو بكر صوت من يقصون أثرهم على باب الغار، قال للنبي صلى الله عليه وسلم :" لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه "، فقال :" يا أبا بكر، ما ظنك باثنين، الله ثالثهما ؟، يا أبا بكر، لا تحزن ؛ إن الله معنا " xxv.
المفردات :
إن كان هذا هو الحق من عندك : إن كان هذا القرآن هو الحق الذي نزل به محمد من عندك.
فأمطر علينا حجارة من السماء : فعاقبنا على إنكاره بحجارة من سجيل تهلكنا كما أهلكت أصحاب الفيل.
أو ائتنا بعذاب أليم : أو عاقبنا بنوع آخر من العذاب، يكون أشد قسوة من حجار السماء.
٣٢ – وإذ قالوا اللهم أن كان هذا هو الحق من عندك... الآية.
وكان النضر بن الحارث مع أشد قريش معارضة للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد سافر إلى فارس والحيرة للتجارة، ورجع منها بقصص سمعه من الرهبان كما رجع بنسخة من أخبار رستم وأسفنديار، وكان يجمع الكفار من قريش حوله، ويقرأ لهم منها، ولما قال النضر حين سمع القرآن ؛ إن هذا إلا أساطير الأولين، قال له النبي : " ويلك، إنه كلام الله "، فقال في استخفاف وإنكار : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليمxxvi، أي : إن كان هذا القرآن حقا، فعاقبنا على إنكاره وتكذيبه، بحجارة تنصب علينا كالمطر من السماء التي تهبط الوحي منها على محمد، وينزل عليه القرآن من جهتها، فتهلكنا كما أهلك السجيل أصحاب الفيل، أو عاقبنا بعقاب آخر أشد ألما وأقسى عذابا، هو قول يدل على غاية الجحود والإنكار، وعلى أن الله تعالى قد حال بين الهداية وقلوب هؤلاء بحجب وأقفال منيعة، كما يدل على سفه العقل وسقم التفكير ؛ لأن المنطق كان يقضي عليهم أن يقولوا : اللهم، إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه لكنه عمى العقل، وجنون العناد.
تفسير القرآن الكريم
شحاته