ثم عطف على الحكم عليهم ما هو حجة على صحته وهو بيان حالهم في أفضل ما بني البيت لأجله وهو الصلاة، إذ كان سوء حالهم في الطواف عراة معروفا لا يجهله أحد، أو في العبادة الجامعة للطواف والصلاة فقال : وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية . من المعلوم أن البيت إذا أطلق معرفا انصرف عندهم إلى بيت الله المعروف بالكعبة والبيت الحرام، على القاعدة اللغوية في انصراف مثله إلى الأكمل في جنسه كالنجم للثريا وهي أعظم النجوم هداية. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : كانت قريش تطوف بالبيت عراة تصفر وتصفق. وقال المكاء الصفير والتصدية التصفيق، وقال كان أحدهم يضع يده على الأخرى، ويصفر، وروي عنه أن الرجال والنساء منهم كانوا يطوفون عراة مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون، وروى الطستي فيما روى من أسئلة نافع بن الأزرق له أنه قال له أخبرني عن قوله عز وجل إلا مكاء وتصدية قال المكاء صوت القنبرة والتصدية صوت العصافير وهو التصفيق وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة وهو بمكة كان يصلي بين الحجر ( الأسود ) والركن اليماني ( يعني أنه يتوجه إلى الشمال ليجمع بين الكعبة وبيت المقدس في الاستقبال ) فيجيء رجلان من بني سهم يقوم أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ويصيح أحدهما كما يصيح المُكّاء والآخر يصفق بيديه تصدية العصافير ليفسدا عليه صلاته، قال ( نافع ) وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال نعم أما سمعت حسان بن ثابت يقول :
| تقوم إلى الصلاة إذا دعينا | وهمتك التصدي والمكاء |
قال تعالى : فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون فسر الضحاك العذاب هنا بما كان من قتل المؤمنين لبعض كبرائهم وأسرهم لآخرين منهم يوم بدر أي وانهزام الباقين مكسورين مدحورين. وفيه إشارة إلى قولهم أو ائتنا بعذاب أليم كأنه يقول : فذوقوا العذاب الذي طلبتموه، وما كان لكم أن تستعجلوه.
تفسير المنار
رشيد رضا