ﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵ

٣٥ - قوله تعالى: وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً، الحراني (١) عن ابن السكيت (٢) قال: المكاء: الصفير، يقال: مكا يمكو مكْوًا ومُكوًّا (٣): إذا جمع يديه ثم صفر فيهم (٤). قال: والأصوات مضمومة إلا حرفين: النداء والغناء (٥).
هذا معنى المكاء في اللغة، ثم [يقال: مكت است الدابة تمكو مكاءً: إذا نفخت بالريح، ذكره أبو عبيد عن أبي زيد (٦)] (٧) ويقال للطعنة إذا فهقت (٨): مكت تمكو، قال عنترة:

(١) هو: عبد الله بن الحسن بن أحمد أبو شعيب الحراني، لغوي محدث مؤدب صدوق، لازم ابن السكيت مدة إحدى وعشرين سنة، وتوفي في بغداد سنة ٢٩٥ هـ. انظر: "تاريخ بغداد" ٩/ ٤٣٥، و"إنباه الرواة" ٢/ ١١٥، و"سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٥٣٦، و"البداية والنهاية" ١١/ ١٠٧.
(٢) هو: شيخ العربية يعقوب بن إسحاق بن يوسف البغدادي النحوي المشهور بابن السكيت، أخذ عن أبي عمرو الشيباني والأصمعي وأبي عبيدة والفراء وغيرهم، وكان حجة في العربية مع التدين والفضل، له نحو عشرين مصنفًا نافعًا، أشهرها "إصلاح المنطق"، توفي سنة ٢٤٤ هـ.
انظر: "تاريخ بغداد" ١٤/ ٢٧٣، و"إنباه الرواة" ٤/ ٥٦، و"نزهة الألباء" ٢/ ١٣٨، و"بغية الوعاة" ٢/ ٥٤٩.
(٣) في "المشوف المعلم": مكاءً. وانظر: "لسان العرب" (مكا) ٧/ ٤٢٥.
(٤) "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح" (م ك و) ٢/ ٧٣٠ مختصرًا، وهو كذلك في "تهذيب اللغة" (مكا) ٤/ ٣٤٣٢.
(٥) "تهذيب اللغة"، الموضع السابق.
(٦) المصدر السابق ٤/ ٣٤٣٢ بنحوه
(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٨) في "لسان العرب" (فهق) ٦/ ٣٤٨٠: الفهق: اتساع كل شيء ينبع منه ماء أو دم، وطعنة فاهقة: تفهق بالدم.

صفحة رقم 135

تمكو فريصته كشدق الأعلم (١)
أراد: تصفر فريصته بالدم، قال الأصمعي: قلت لمنتجع بن نبهان (٢): ما تمكو فريصته؟ فشبك أصابعه وجعلها على فمه ونفخ فيها (٣)، وأراد بالأعلم: البعير.
فأما المكاء: فهو (فعال) من مكا إذا صفر، وهو طائر يألف الريف، وجمعه المكاكي (٤). وأما التصدية: فهو التصفيق، يقال: صدّى يصدي تصدية: إذا صفق بيديه، وأصله من الصدى وهو الصوت الذي يرد عليك الجبل، وأنشد ابن قتيبة (٥):

ضنت بخدّ وجلت عن خدّ وأنا من غرو الهوى أصدّي (٦)
أي: أصفق بيدي من عجيب الهوى.
(١) عجز بيت من معلقة عنترة وصدره:
وحليل غانية تركت مجدلًا
وهو في "ديوانه" ص ٢٠٧، و"تفسير الطبري" ٩/ ٢٤٠، و"شرح القصائد السبع الطوال" ص ٣٤٠.
(٢) هو: المنتجع بن نبهان الأعرابي، وهو من بني نبهان من طيِّئ، لغوي أخذ عنه علماء زمانه، وأكثر عنه الأصمعي.
انظر: "طبقات النحويين واللغويين" ص ١٥٧، و"إنباه الرواة" ٣/ ٣٢٣.
(٣) انظر: "شرح القصائد السبع الطوال" ص ٣٤١.
(٤) في (ح): المكائي، وهو خطأ. ففي "الصحاح" (مكا) ٦/ ٢٤٩٥: المكاء: بالمد والتشديد: طائر، والجمع: المكاكي، والمكَاء: مخفف، الصفير.
وفي"لسان العرب" (مكا) ٧/ ٤٢٥: المكَّاء: بالضم والتشديد: طائر في ضرب القنبرة إلا أن في جناحيه بلقًا، سمي بذلك لأنه يجمع يديه ثم يصفر فيها صفيرًا حسنا.
(٥) انظر: "غريب القرآن" ص ١٩٠.
(٦) الرجز لبشار بن برد كما في "ديوانه" ٢/ ٢٢٢، وهو بلا نسبة في "غريب القرآن" =

صفحة رقم 136

وقال أبو عبيدة: أصلها: تصددة، فأبدلت الياء من الدال، قال ومنه قوله: إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ [الزخرف: ٥٧] أي: يعجون (١)، وأنكر أبو جعفر الرستمي (٢) هذا القول على أبي عبيدة، وقال: إنما هو من الصدى وهو الصوت، فكيف يكون مضعفًا (٣).
وقال أبو علي: ليس ينبغي أن يقال هذا خطأ؛ لأنه قد ثبت بقوله يَصُدُّونَ وقوع هذه الكلمة على الصوت أو ضرب منه، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يكون (تصدية) منه، فيكون (٤) (تفعلة) من ذلك، وأصله (٥): تَصْددَه، مثل: (التحلة) (٦)، (والتعلّة) (٧). ألا ترى أن أصلهما:

= لابن قتيبة ص ١٩٠، و"زاد المسير" ٣/ ٣٥٣، وقد ترك ابن قتيبة بيتًا بين هذين البيتين ونصه كما في الديوان:
ثم انثنت كالنفس المرتد
وقد تحرف في الديوان قوله: غرو، إلى عرق، واحتار المحققان في توجيهه. والغرو: العجب، وغروت: عجبت، ويقال: لا غرو: أي ليس بعجب، انظر: "الصحاح" (غرا) ٦/ ٢٤٤٦.
(١) انظر: قول أبي عبيدة في "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٧٦٢، ولم يذكره في "مجاز القرآن" ١/ ٢٤٦.
(٢) هو: أحمد بن محمد بن يزديار بن رستم أبو جعفر النحوي الطبري، البغدادي، كان متصدرًا لإقراء النحو، ومؤدبًا لأولاد الوزير ابن الفرات، وصنّف عدة كتب وكان حيًّا عام ٣٠٤ هـ.
انظر: "تاريخ بغداد" ٥/ ١١٥، و"إنباه الرواة" ١/ ١٦٣، و"بغية الوعاة" ١/ ٣٨٧.
(٣) "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٧٦٢.
(٤) في المصدر السابق: فتكون.
(٥) في المصدر السابق: أصلها.
(٦) التحلية: ما كفر به اليمين. انظر: "لسان العرب" (حلل) ٢/ ٩٧٥.
(٧) التعلة: ما يتعلل به، ومنه تعلة الصبي أي ما يعلل به ليسكت، المصدر السابق (علل) ٥/ ٣٠٧٩.

صفحة رقم 137

تحلله وتعلله، فلما قلبت الدال الثانية من (تصدده) تخفيفًا اختلف اللفظان (١)؛ فبطل الإدغام (٢).
قال (٣): ويمكن أن تكون (التصدية) مصدرًا من (صدّ) إذا منع، من قوله (٤):
صددت الكأس عنا أم عمرو
بني الفعل منه على (فعّل) للتكثير على حد: وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ (٥)، والمصدر من (فعّل) على (تفعيل) و (تفْعلة) إلا أن (تفعلة) في هذا كالمرفوض في (٦) مصدر التضعيف كأنهم عدلوا عنه إلى (التفعيل) نحو: التحقيق، والتشديد، والتخفيف، لما يكون فيه من الفصل بين المثلين في الحرف الذي بينهما، كما لم يجعلوا شديدة في النسب، كحنيفة وفريضة، وكما لم يجعلوا شديدًا وشحيحًا كفقيه وعليم في الجمع لما كان يلتقي من (٧) التضعيف، فعدلوا عنه إلى (أفعِلاء) و (أفعِلة) نحو: أشداء وأشحة؛ لما لم يظهر المثلان في ذلك، فلما خرج المصدر على ما هو مرفوع (٨) في هذا النحو أبدل من المثل الثاني الياء، وكأن التصفيق منع من المصفق

(١) في "سر صناعة الإعراب": الحرفان.
(٢) "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٧٦٢.
(٣) يعني أبا علي الفارسي.
(٤) صدر بيت لعمرو بن كلثوم، وعجزه:
وكان الكأس مجراها اليمينا
انظر: "ديوانه" ص ٦٥، و"كتاب سيبويه" ١/ ٢٢٢.
(٥) يوسف: ٢٣.
(٦) في "الحجة": من.
(٧) في "الحجة": في.
(٨) هكذا في جميع النسخ، والصواب: مرفوض، بدلالة قوله السابق إلا أن (تفعلة) في هذا كالمرفوض وكما في"الحجة".

صفحة رقم 138

للمصفق به [وزجر له] (١)، وفي الحديث: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء" (٢)، هذا كله كلام أبي علي (٣).
واختار الأزهري مذهب أبي عبيدة فقال: صدى: أصله صدد (٤)، فكثرت الدالات فقلبت إحداهن ياء، كما قالوا: قصّيت أظفاري، قال ذلك أبو عبيد (٥)، وابن السكيت (٦)، وغيرهما (٧)، قال: ومثل هذا قوله: فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى [عبس: ٦] أصله: تصدد، من الصدد وهو ما استقبلك وصار قبالتك (٨). فقد صح إذن مذهب أبي عبيدة في هذا الحرف بموافقة الإمامين أبي عبيد وابن السكيت.
وأما التفسير فقال ابن عباس وابن عمر وعطية ومجاهد والضحاك وقتادة: المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق (٩).

(١) ما بين المعقوفين ساقط من (م).
(٢) رواه البخاري (١٢٠٣، ١٢٠٤) "صحيحه" أبواب العمل في الصلاة، باب: التصفيق للنساء، ومسلم (٤٢٢) "صحيحه" كتاب الصلاة، باب: تسبيح الرجل وتصفيق المرأة.
(٣) انظر: "الحجة للقراء السبعة" ٤/ ١٤٧ - ١٤٨.
(٤) في "تهذيب اللغة": صد ويصدّد.
(٥) انظر: "لسان العرب" (صدد) ٤/ ٢٤١١.
(٦) انظر: "تهذيب إصلاح المنطق" ص ٥٠٣.
(٧) قال ابن سيده: التصدية: التصفيق والصوت، على تحويل التضعيف، ونظيره: قصيت أظفاري في حروف كثيرة، قال: وقد عمل فيه سيبويه بابًا، وقد ذكر منه يعقوب وأبو عبيد أحرفًا. "لسان العرب" (صدد) ٤/ ٢٤١٠.
(٨) "تهذيب اللغة" (صد) ٢/ ١٩٨٥. وقد تصرف الواحدي بعبارة الأزهري.
(٩) رواه عن المذكورين جميعًا ابن جرير ٩/ ٢٤٠ - ٢٤٣، وانظر: "تفسير ابن أبي حاتم" ٥/ ٦٧٩٦.

صفحة رقم 139

قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون (١).
وقال مجاهد: كانوا يعارضون النبي - ﷺ - في الطواف ويستهزءون به ويصفرون يخلطون عليه طوافه وصلاته (٢).
وقال مقاتل: كان إذا صلى رسول الله - ﷺ - في المسجد يقومون علي يمينه ويساره بالصفير والتصفيق ليخلطوا عليه صلاته (٣)، وقال حسان يذكر ذلك ويذمهم به (٤):

إذا قام الملائكة ابتعثتم صلاتكم التصدي والمكاء (٥)
فعلى ما ذكره مجاهد ومقاتل كان التصدية والمكاء إيذاء للنبي - ﷺ -، وعلى قول ابن عباس كان ذلك نوع عبادة لهم، واختار أبو إسحاق هذا [فقال: أعلم الله أنهم كانوا مع صدهم أولياء المسجد الحرام كان تقربهم إلى الله بالصفير والتصفيق (٦)] (٧)، وهذا القول أشبه بظاهر اللفظ؛ لأن الله تعالى قال: وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ وكأنهم جعلوا ذلك صلاة لهم.
قال ابن عرفة (٨) وابن الأنباري: المكاء والتصدية ليسا بصلاة، ولكن
(١) رواه ابن جرير ٩/ ٢٤١، والثعلبي ٦/ ٥٩ أ، والبغوي ٣/ ٣٥٥.
(٢) رواه الثعلبي ٦/ ٥٩ أ، والبغوي ٣/ ٣٥٥، ورواه بمعناه ابن جرير ٩/ ٢٤٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٩٧.
(٣) "تفسير مقاتل" ل ١٢١ أ، وقد نقل الواحدي معنى قوله.
(٤) ساقط من (ح).
(٥) البيت لحسان كما في "لسان العرب" (مكا) ٧/ ٤٢٥١ وليس في "ديوانه".
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤١٢ مع تصرف يسير.
(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (س).
(٨) هو: إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة =

صفحة رقم 140

الله تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التي أمروا بها المكاء والتصدية] (١) فألزمهم ذلك أعظم الأوزار، وهذا كقولك: زرت عبد الله فجعل جفائي صلتي، أي: أقام الجفاء مقام الصلة فاستحق بذلك عيبي ولائمتي، وأنشد أبو بكر:

قلت (٢) أطعمني عُميم تمرًا فكان تمرك كهرة (٣) وزبرًا (٤)
أي: أقام الصياح عليّ مقام إطعامي التمر (٥)، قال (٦): وفيه وجه آخر وهو أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له، كما تقول العرب: ما لفلان عيب إلا السخاء، يريد من السخاء عيبه فلا عيب له، وأنشد:
فتى كملت أخلاقه غير أنه جواد فما يبقي من المال باقيا (٧)
= الأزدي، المعروف بنفطويه، الإمام الحافظ النحوي، كان عالمًا بالحديث والعربية، مبرزًا في الفقه الظاهري، توفي سنة ٣٢٣ هـ.
انظر: "طبقات النحويين واللغويين" ص ١٥٤، و"إنباه الرواة" ١/ ٢١١، و"نزهة الألباء" ص ١٩٤، و"سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٧٥.
(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٢) في (ح): (قلت له)، وفي (م): (فقلت).
(٣) في (ح): (نهرة).
(٤) لم أهتد لقائله.
(٥) انظر: قول ابن الأنباري مختصرًا في "تفسير البغوي" ٣/ ٣٥٥.
(٦) يعني ابن الأنباري، انظر: قوله هذا في"زاد المسير" ٣/ ٣٥٤.
(٧) البيت للنابغة الجعدي في رثاء أخيه، انظر: "ديوانه" ص ١٧٣، و"كتاب سيبويه" ١/ ٣٦٧، و"الخزنة" ٣/ ٣٣٤.

صفحة رقم 141

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية